فهرس الكتاب

الصفحة 466 من 849

أنْتُمْ، وإِنِّي أُشْهِدُ الله ربِّي على ما أقُولُ، بِأنِّي برِيءٌ مِنْ جمِيعِ الأصْنامِ والأنْدادِ الذِين تعْبُدُونهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ.

فاجْتمِعُوا أنْتُم وآلِهتِكُمْ على الكيْدِ لِي، ولا تتوانوْا فِي ذلِك، ولا تُقصِّرُوا فِيهِ لحْظةً، فهُو لا يُهِمُّنِي، ولا يضُرّنِي فِي شيءٍ. إِنِّي وكّلْتُ أُمُورِي إلى اللهِ، وهُو ربِّي وربُّكُمُ الحقُّ، خلق المخْلُوقاتِ كُلّها، وجعلها تحْت قهْرِهِ وسُلْطانِهِ، وهُو الحاكِمُ العادِلُ الذِي لا يجُوزُ فِي حُكْمِهِ. وأفْعالُهُ تعالى، تجْرِي على طريقِ الحقِّ والعدْلِ فِي مُلْكِهِ. أمّا الأصْنامُ والأوْثانُ فهِي حِجارةٌ لا تضُرُّ ولا تنْفعُ ولا تمْلِكُ لِنفْسِها ضرًّا ولا نفْعًا. فإِنْ تتولّوا عمّا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ عِبادةِ ربِّكُمْ وحْدهُ لا شرِيك لهُ، فقدْ قامتْ عليكُم الحُجّةً بِإِبْلاغِي إِيّاكُمْ رِسالة اللهِ الذِي بعثنِي بِها إِليْكُمْ، واللهُ قادرٌ على أنْ يُهْلِككُمْ وأنْ يأْتِي بِقوْمٍ غيْرِكُمْ يخْلُفُونكُمْ فِي دِيارِكُمْ وأمْوالِكُمْ، يعْبُدُونهُ وحْدهُ، ولا يُشْرِكُون بِهِ شيْئًا، ولا يُبالِي ربُّكُمْ بِكُمْ، فإِنّكُمْ لا تضُّرونهُ بِكُفْرِكُمْ وإِعْراضِكُمْ، بلْ يعُودُ وبالُ كُفْرِكُمْ عليْكُمْ وحْدكُمْ، وربِّي رقِيبٌ على كُلِّ شيءٍ، قائِمٌ بِالحِفْظِ عليهِ. ولمّا جاء أمْرُ اللهِ بِإِهلاكِ قوْمِ عادٍ سلّط اللهُ عليْهمُ الرِّيح العقِيم، فأهْلكهُمْ بِها جمِيعًا، ولمْ يتْرُكْ أحدًا مِنْهُمْ حيًّا. ونجّى اللهُ هُودًا ومنْ آمن معهُ بِرحْمةٍ مِنْهُ، مِن العذابِ الغلِيظِ الذِي أنْزلهُ بِقوْمِ عادٍ.

وكان ذلِك مصِير قوْمٍ عادٍ الذِين كفرُوا بِربِّهِمْ، وأنْكرُوا آياتِهِ، وكذّبُوا رُسُلهُ (لأنّ منْ كّذّب رسُولًا فقدْ كذّب الرُّسُل جميعًا) .واتّبع الدّهْماءُ مِنْهُمْ كُلّ جبّارٍ عنِيدٍ مِنْ رُؤسائِهِمْ، وقادتِهِم الطُّغاةِ، الذِين يأْبوْن الحقّ، ولا يُذْعِنُون لهُ وإِنْ قام عليهِ الدّلِيلُ. وبِسببِ كُفْرِهِمْ هذا وعُتُوِّهِمْ، اسْتحقُّوا مِن اللهِ، والملائِكةِ، والنّاسِ، لعْنةً فِي الدُّنْيا كُلّما ذُكِرُوا، وتتْبعُهُمُ اللّعْنةُ يوْم القِيامةِ حِينما يُنادِى عليْهِ على رُؤُوسِ الأشْهادِ: ألا إِنّ عادًا كفرُوا بِربِّهِمْ ألا بُعْدًا لعادٍ قوْمِ هُودٍ [1] .

وكان هود من عاد. فهو أخوهم. واحد منهم، تجمعه - كانت - آصرة القربى العامة بين أفراد القبيلة الواحدة. وتبرز هذه الآصرة هنا في السياق، لأن من شأنها أن تقوم الثقة والتعاطف والتناصح بين الأخ وإخوته، وليبدو موقف القوم من أخيهم ونبيهم شاذا ومستقبحا! ثم لتقوم المفاصلة في النهاية بين القوم وأخيهم على أساس افتراق العقيدة. ويبرز بذلك معنى انقطاع الوشائج كلها حين تنقطع وشيجة العقيدة. لتتفرد هذه الوشيجة وتبرز في علاقات المجتمع الإسلامي، ثم لكي تتبين طبيعة هذا الدين وخطه الحركي ..

فالدعوة به تبدأ والرسول وقومه من أمة واحدة تجمع بينه وبينها أواصر القربى والدم والنسب والعشيرة والأرض ... ثم تنتهي بالافتراق وتكوين أمتين مختلفتين من القوم الواحد .. أمة مسلمة وأمة مشركة ..

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 1524، بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت