فهرس الكتاب

الصفحة 497 من 849

رقيقا عند أعدائه، بينما هو يحرر أسارى الأعداء .. فجفف الإسلام كل منابع الرق - عدا أسرى الحرب - إلى أن يتاح للبشرية وضع نظام دولي للتعامل بالمثل في مسألة الأسرى.

ومن هنا كان يجيء إلى المعسكر الإسلامي أسيرات. تقضي قاعدة التعامل بالمثل باسترقاقهن ومن مقضيات هذا الاسترقاق ألا يرتفعن إلى مستوى الزوجات بالنكاح. فأباح الإسلام حينئذ الاستمتاع بهن بالستري لمن يملكهن خاصة إلا أن يتحرّرن لسبب من الأسباب الكثيرة التي جعلها الإسلام سبلا لتحرير الرقيق.

ولعل هذا الاستمتاع ملحوظ فيه تلبية الحاجة الفطرية للأسيرات أنفسهن، كي لا يشبعنها عن طريق الفوضى القذرة في المخالطة الجنسية كما يقع في زماننا هذا مع أسيرات الحرب بعد معاهدات تحريم الرقيق - هذه الفوضى التي لا يحبها الإسلام!

وذلك حتى يأذن اللّه فيرتفعن إلى مرتبة الحرية. والأمة تصل إلى مرتبة الحرية بوسائل كثيرة .. إذا ولدت لسيدها ثم مات عنها. وإذا أعتقها هو تطوعا أو في كفارة. وإذا طلبت أن تكاتبه على مبلغ من المال فافتدت به رقبتها. وإذا ضربها على وجهها فكفارتها عتقها .. إلخ [1] .

وعلى أية حال فقد كان الاسترقاق في الحرب ضرورة وقتية، هي ضرورة المعاملة بالمثل في عالم كله يسترق الأسرى، ولم يكن جزءا من النظام الاجتماعي في الإسلام.

«فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ» .. وراء الزوجات وملك اليمين، ولا زيادة بطريقة من الطرق. فمن ابتغى وراء ذلك فقد عدا الدائرة المباحة، ووقع في الحرمات، واعتدى على الأعراض التي لم يستحلها بنكاح ولا بجهاد. وهنا تفسد النفس لشعورها بأنها ترعى في كلأ غير مباح، ويفسد البيت لأنه لا ضمان له ولا اطمئنان وتفسد الجماعة لأن ذئابها تنطلق فتنهش من هنا ومن هناك: وهذا كله هو الذي يتوقاه الإسلام.

«وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ» راعون لأماناتهم وعهدهم أفرادا وراعون لأماناتهم وعهدهم جماعة .. والأمانات كثيرة في عنق الفرد وفي عنق الجماعة وفي أولها أمانة الفطرة وقد فطرها اللّه مستقيمة متناسقة مع ناموس الوجود الذي هي منه وإليه شاهدة بوجود الخالق ووحدانيته، بحكم إحساسها الداخلي بوحدة الناموس الذي يحكمها ويحكم الوجود، ووحدة الإرادة المختارة لهذا الناموس المدبرة لهذا الوجود .. والمؤمنون يرعون تلك الأمانة الكبرى فلا يدعون فطرتهم تنحرف عن استقامتها، فتظل قائمة بأمانتها شاهدة بوجود الخالق ووحدانيته. ثم تأتي سائر الأمانات تبعا لتلك الأمانة الكبرى.

(1) - يراجع فصل الرق في كتاب «شبهات حول الإسلام» لمحمد قطب. «دار الشروق» . (السيد رحمه الله)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت