فهرس الكتاب
وعلى أىّ، فإن نزول هذه الآيات، كان في حال اشتد فيها ضيق النبي، وكاد يقع اليأس في قلبه من إيمان هؤلاء المشركين، الذين ركبوا رءوسهم، وأسلموا للشيطان قيادهم ..
هذا، وفى تلك الآيات إشارة إلى أن عاقبة هؤلاء المشركين، هى الإيمان بالله، والاستجابة للرسول، كما آمن قوم يونس، بعد أن عاد إليهم، وجدّد دعوتهم إلى الإيمان بالله .. كما يقول سبحانه: «فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ» (98:يونس) - وفى هذا إشارة من أنباء الغيب إلى مستقبل هذه القرية، وهى مكة، وأن أهلها سيؤمنون، كما آمن قوم يونس. فهؤلاء المشركون الذين يقفون هذا الموقف العنادىّ الضالّ من رسول الله، سوف يدخلون في دين الله، وسوف يرى فيهم النبىّ القوم المؤمنين الذين تقوم بأيديهم دولة الإسلام .. وغاية ما هناك أن يصبر النبىّ، وأن يحتمل هذا الموقف المتأزم بينه وبين قومه، فإن الضيق إلى فرج، وإن العسر إلى يسر. وهكذا كانت الآية من البشريات المسعدة، التي بشّر بها النبىّ في قومه، الذين كان شديد الحرص على هدايتهم ونجاتهم من الهلاك الذي يتدافعون إليه .. [1]
{فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} أي: لما حكم به شرعًا وقدرًا، فالحكم القدري، يصبر على المؤذي منه، ولا يتلقى بالسخط والجزع، والحكم الشرعي، يقابل بالقبول والتسليم، والانقياد التام لأمره.
وقوله: {وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ} وهو يونس بن متى، عليه الصلاة والسلام أي: ولا تشابهه في الحال، التي أوصلته، وأوجبت له الانحباس في بطن الحوت، وهو عدم صبره على قومه الصبر المطلوب منه، وذهابه مغاضبًا لربه، حتى ركب في البحر، فاقترع أهل السفينة حين ثقلت بأهلها أيهم يلقون لكي تخف بهم، فوقعت القرعة عليه فالتقمه الحوت وهو مليم [وقوله] {إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ} أي: وهو في بطنها قد كظمت عليه، أو نادى وهو مغتم مهتم بأن قال {لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} فاستجاب الله له، وقذفته الحوت من بطنها بالعراء وهو سقيم، وأنبت الله عليه شجرة من يقطين، ولهذا قال هنا: {لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ} أي: لطرح في العراء، وهي الأرض الخالية {وَهُوَ مَذْمُومٌ} ولكن الله تغمده برحمته فنبذ وهو ممدوح، وصارت حاله أحسن من حاله الأولى، ولهذا قال: {فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ} أي: اختاره واصطفاه ونقاه من كل كدر،. {فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} أي: الذين صلحت أعمالهم وأقوالهم ونياتهم، [وأحوالهم] فامتثل نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -،أمر ربه، فصبر لحكم ربه صبرًا لا يدركه فيه أحد من العالمين. [2]
وصاحب الحوت هو يونس - عليه السّلام - كما جاء في سورة الصافات. وملخص تجربته التي يذكر اللّه بها محمدا - صلى الله عليه وسلم - لتكون له زادا ورصيدا، وهو خاتم النبيين، الذي سبقته تجارب النبيين أجمعين في حقل الرسالة، ليكون هو صاحب الحصاد الأخير، وصاحب الرصيد الأخير، وصاحب الزاد
(1) - التفسير القرآني للقرآن (15/ 1114)
(2) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 881)