فهرس الكتاب
قال تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران:186]
يُسلّي اللهُ تعالى رسُولهُ - صلى الله عليه وسلم -،ويقُولُ لهُ: إنّهُ وأصْحابهُ سيلْقوْن مِن الكُفْارِ أذًى كثِيرًا فِي النّفْسِ والمالِ، كما لقُوهُ مِنْهُمْ مِنْ أذًى يوْم أحُدٍ، وعلى المُؤْمِنِين أنْ يُوطِّنُوا أنْفُسهُمْ عليْهِ، إذْ لا بُدّ مِنْ أنْ يبْتلِي اللهُ المُؤْمِن فِي شيءٍ مِنْ مالِهِ، أوْ نفْسِهِ أو ولدِهِ أوْ أهْلِهِ ... وابْتلاءُ المُؤْمِنِ يكُونُ على قدْرِ دِينِهِ، فإنْ كان فِيهِ صلابةٌ فِي دِينِهِ زِيد فِي بلائِهِ. ونبّه اللهُ تعالى رسُولهُ الكرِيمُ والمُؤْمِنِين عِنْد مقْدمِهِمْ إلى المدِينةِ (وقبْل وقْعةِ بدْرٍ) إلى أنّهُمْ سيسْمعُون مِن اليهُودِ ومِن المُشْرِكِين أذًى كثِيرًا: مِن التّقوُّلِ والإِرْجافِ، ونقْضِ العُهُودِ وبثِّ الشّائِعاتِ، ومُحاولةِ الإِيذاءِ ... ويأمر اللهُ نبِيّهُ والمُؤْمِنين بِالصّفْحِ والصّبْرِ والعفْوِ حتّى يُفرِّج اللهُ، ولا يصْبِرُ على احْتِمالِ ذلِك إلاّ أولُو العزْمِ الأقْوياءُ [1] .
وإذا كانت الحياة الدنيا إلى زوال، وكان متاعها لعبا ولهوا وغرورا، وإذ كان متّجه العقلاء فيها إلى دار خير منها، وإلى متاع أكرم وأهنأ من متاعها- وهى الدار الآخرة- إذ كان ذلك كذلك، فإن للدار الآخرة عملا، وللجزاء الحسن فيها ثمنا .. إنها ليست أمانىّ يتمنّاها النّاس، ولكنها جهد، وبلاء، ومعاناة، فإذا أرادها المريدون وطلبها الطالبون، فليعملوا لها، وليؤدّوا الثمن المطلوب للحصول على نعيمها، ورضوان الله فيها! وقد أرادها المؤمنون، وطلبوا ما عند الله للمؤمنين فيها .. وإذن فليعملوا لها، وليؤدّوا مطلوبها منهم! إنه ابتلاء في الأموال والأنفس .. الأموال، يبذلونها في سبيل الله، والأنفس، يبيعونها ابتغاء مرضاة الله ..
وإنه تعرّض للأذى في المشاعر والعواطف، بسماع الكلمات المنافقة، والأكاذيب الملفقة، من الذين كفروا ونافقوا من أهل الكتاب، ومن الذين أشركوا وضلوا من قريش وأحلافها ..
إنه أذى مادىّ في الأموال وفى الأنفس، وأذى روحىّ في الشعور والوجدان .. أذى يشتمل على المؤمن كلّه، في مادياته ومعنوياته جميعا.
ونعم .. هو أذى بالغ، وألم شديد، وامتحان قاس مرير! ولكنّ الجزء الحسن أعظم وأشمل، وإنه لأكثر قدرا، وأثقل وزنا .. في جانب الإحسان والرضوان .. والصبر والتقوى، هما الزاد العتيد الذي يتزود به المؤمنون لاجتياز هذا الامتحان القاسي، واحتمال آلامه وشدائده .. «وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ» .. فإن الأمر جدّ ليس بالهزل. [2]
يخبر تعالى ويخاطب المؤمنين أنهم سيبتلون في أموالهم من النفقات الواجبة والمستحبة، ومن التعريض لإتلافها في سبيل الله، وفي أنفسهم من التكليف بأعباء التكاليف الثقيلة على كثير من الناس، كالجهاد
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 479، بترقيم الشاملة آليا)
(2) - التفسير القرآني للقرآن (2/ 665)