فهرس الكتاب

الصفحة 542 من 849

ويُرغِّبُ اللهُ تعالى العِباد فِي الإِنْفاقِ فِي أوْجُهِ الطّاعاتِ، فيقُولُ لهُمْ: إِنّ الذِين آمِنُوا وأنْفقُوا فِي أوْجُهِ الخيْرِ والبِرِّ سيجْزِيهِمْ ربُّهُمْ جزاءً حسنًا، وسيُؤْتِيهِمْ أجْرًا كبِيرًا.

وأيُّ شيءٍ يمْنعُكُمْ مِن الإِيْمانِ بِاللهِ، والرّسُولُ بيْن أظْهُرِكُمْ يدْعُوكُمْ إِلى ذلِك، ويُبيِّنُ لكُم الحُجج والبراهِين على صِحّةِ ما جاءكُمْ بِهِ، وقدْ أخذ اللهُ عليْكُمُ المِيثاق، بِما نصب لكُمْ مِن الأدْلّةِ فِي الأنْفُسِ والآفاقِ، على وُجُودِهِ ووحْدانِيّتِهِ، هذا إِنْ كُنْتُمْ بِحاجةٍ إِلى دلِيلٍ لتُؤْمِنُوا (أوْ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُون بِالدّلِيلِ إِذا جاءكُمْ) .

واللهُ تعالى هُو الذِي يُنْزِلُ على عبْدِهِ ورسُولِهِ مُحمّدٍ - صلى الله عليه وسلم - آياتٍ واضِحاتٍ، لِيُخْرِجكُمْ بِها مِنْ ظُلُماتِ الكُفْرِ، إِلى نُورِ الإِيْمانِ، ومِن الضّلالةِ إِلى الهُدى، ومِنْ رأْفتِهِ بِكُمْ جعل لكُمْ عُقُولًا وأفْهامًا للتّفكُّرِ والتّدبُّرِ فِي آياتِ اللهِ، وأرْسل إِليْكُم الرُّسُل بِالكُتُبِ مِنْهُ تعالى لِتهْتدُوا بِها إِلى الإِيْمانِ بِاللهِ، وإِلى عملِ الخيْرِ، والإِنْفاقِ فِي سبِيلِ اللهِ، لِيُدْخِلكُمُ الجنّة ويُجنِّبكُمْ عذاب النّارِ، واللهُ عظِيمُ الرأْفةِ بِالعِبادِ، واسِعُ الرّحْمةِ لهُمْ.

وما لكُم يا أيُّها النّاسُ لا تُنْفِقُون مِنْ أمْوالِكم فِي سبيلِ اللهِ؟ أتخْشوْن الفقْر إِنْ أنْفقْتُمْ؟ أنْفِقُوا ولا تخْشوْا شيْئًا، فإِنّ الذِي أنْفقْتُمْ أمْوالكُمْ فِي سبِيلهِ هُو مالكُ السّماواتِ والأرْضِ، وقدْ تكفّل بِرِزْقِكُمْ، وبِالإِخْلافِ عليكُم {ومآ أنفقْتُمْ مِّن شيْءٍ فهُو يُخْلِفُهُ} .ثُمّ بيّن تعالى تفاوت درجاتِ المُنْفِقِين، بِحسبِ تفاوُتِ أحْوالِهم، فقال: إِنّهُ لا يسْتوي منْ آمن، وهاجر، وأنْفق مالهُ في سبِيلِ اللهِ، قبْل فتْحِ مكّة (أوْ قبْل صُلْحِ الحديْبِيةِ على قوْلٍ) ،مع منْ آمن، وأنْفق بعْد الفتْحِ، فالأوّلُون أعْظمُ درجةً عِنْد الله، لأنّ المُؤْمِنين قبْل الفتْحِ كانُوا قليلي العددِ، وواجِباتُهُمْ كثِيرةٌ وثقِيلةٌ، أمّا بعْد الفتْحِ فقدِ انْتشر الإِسْلامُ، وأمِن النّاسُ. واللهُ علِيمٌ خبِيرٌ بِما يعْملُهُ العِبادُ.

منْ هذا الذِي يُنْفِقُ مالهُ فِي سبِيلِ اللهِ، وطمعًا فِي مثُوبتِهِ ومرْضاتِهِ، مُحْتسِبًا أجْرهُ عِنْد اللهِ، فيعُدُّ اللهُ لهُ ذلِك قرْضًا للهِ تعالى، فيُضاعِفُ لهُ ذلِك القرْض أضْعافًا مُضاعفةً، ويُثيبُهُ مثُوبةً كرِيمةً فِي جنّاتِ عدْنٍ يوْم القِيامةِ؟ [1]

إن اللّه - سبحانه - يخاطب القلوب التي خلقها، فهو يعلم أحوالها، ويعرف مداخلها، ويطلع على خوافيها .. وهو يعلم أن نقاء العقيدة، وخلوص القلب، واستقرار حقيقة الإيمان استقرارا تنبثق منه آثاره ونتائجه في واقع الحياة، من بذل وتضحية وتقدمة خالصة للّه. أن هذا أمر يكلف الطاقة البشرية كثيرا ويحتاج منها إلى جهد ومجاهدة طويلة. ومن ثم يحشد لها هذه الإيقاعات وهذه المؤثرات ويكشف لها عن الحقائق الكونية لتراها وتتأثر بها، وتزن كل شيء بميزانها الكبير الدقيق. ويعالجها المرة بعد المرة، والخطوة بعد الخطوة ولا يكلها إلى هتاف واحد، أو بيان واحد، أو مؤثر واحد يوقع على أوتارها

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 4961، بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت