فهرس الكتاب
اللهِ، ويحْرِمُها مِنْ رِضْوانِ اللهِ، واللهُ غنِيٌّ عنِ العِبادِ، وعنْ أمْوالِهِم وعنْ جهادِهِمْ، وهُمُ الفُقراءُ إلى فضْلِهِ وإحْسانِهِ، وإنما حثّهُمْ على الجِهادِ والبذْلِ لِينالوا الأجْر والمثوْبة. ثُمّ يقُولُ تعالى لهُم: إنّهُم إنْ كانُوا يتولّوْن عنْ طاعةِ ربِّهِمْ، وعنِ اتِّباعِ شرْعِهِ فإنه قادِرٌ على إهْلاكِهِمْ، وعلى الإِتْيانِ بقومٍ آخرِين يُؤمِنُون باللهِ ويسْتجِيبُون لأوامِرِهِ، ويعْملُون بشرائِعِهِ، ولا يكُونُون أمْثال منْ أهْلكهُمْ في البخْلِ والتّباطُؤِ عنِ الجِهادِ .. [1]
بهذه الآية الكريمة تختم السورة، فتلتقى بالمؤمنين، بعد أن وضعتهم في مواجهة أعدائهم من الكافرين والمشركين، الذين يحادون الله ورسوله، ويتربصون بالمؤمنين الدوائر، وأنه مطلوب من المؤمنين أن يعملوا على حماية أنفسهم من هذا العدو المتربص بهم، وذلك بالجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ..
ولمّا كان للمال سلطانه على النفوس، فقد جاءت الآيات السابقة تكشف عن هذه المشاعر، التي يجدها المؤمنون حين يمتحنون في أموالهم، وأن الله سبحانه وتعالى قد شملهم برحمته، فلم يدعهم إلى الخروج عن أموالهم جملة، على سبيل الإلزام والفرض، بل جعل ذلك دعوة مطلقة، يأخذ منها الناس ما تتسع له نفوسهم، كلّ على حسب ما تسخو به نفسه، ويرضاه قلبه .. دون حرج أو إعنات.
وفى قوله تعالى: «ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» امتحان للمؤمنين، واستدعاء لما في نفوسهم من إيمان، في مقام البذل في سبيل الله ..
وقوله تعالى: «فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ» هو بيان لما كشف عنه هذا الامتحان من شحّ في بعض النفوس، وضنّ بالبذل والإنفاق في سبيل الله .. وهذا البخل إنما هو عائد على من بخل، إذ حرم نفسه هذا الخير الكثير الذي كان ينتظره لو أنه أنفق من هذا المال الذي حبسه، وضنّ به .. إنه هو المحروم، وهو الخاسر في هذا الموقف، حيث آثر ما يفنى على ما يبقى ..
وفى تعدية الفعل «يبخل» بحرف الجر «عن» بدلا من الحرف «على» الذي يستدعيه ظاهر النظم- في هذا إشارة إلى أن هذا البخل هو حجز للخير عن النفس، التي كان من حقها على صاحبها أن يسوقه إليها من هذا المال الذي بخل به، وهو يظن أنه إنما فعل ذلك ابتغاء لخيرها وإسعادها ..
وقوله تعالى: «وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ» - هو تعقيب على موقف أولئك الذين بخلوا بالإنفاق في سبيل الله، ولم يستجيبوا الدعوة الله، الذي آتاهم من فضله، ووسّع لهم من رزقه- فالله- سبحانه- غنىّ عنهم، وهم الفقراء إليه ..
ولو شاء سبحانه أن يعفيهم من هذا الامتحان، لفعل، ولحرمهم الثواب الذي ينالونه بما ينفقون من مال الله الذي بين أيديهم ..
وقوله تعالى: «وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ» ..
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 4462، بترقيم الشاملة آليا)