فهرس الكتاب

الصفحة 549 من 849

ويذهب ويجيء وعليه شارة مولاه .. وما يطيق الحياة وما يطعمها إنسان عرف حقيقة الإيمان وعاش بها ثم تسلب منه، ويطرد من الكنف، وتوصد دونه الأبواب. لا بل إن الحياة لتغدو جحيما لا يطاق عند من يتصل بربه ثم يطبق دونه الحجاب.

إن الإيمان هبة ضخمة، لا يعد لها في هذا الوجود شيء والحياة رخيصة، والمال زهيد زهيد، حين يوضع الإيمان في كفة، ويوضع في الكفة الأخرى كل ما عداه ..

ومن ثم كان هذا الإنذار أهول ما يواجهه المؤمن، وهو يتلقاه من اللّه [1] .

وقال تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة:195]

بذل الأنْصارُ أمْوالهُمْ فِي سبيلِ اللهِ، ونُصْرةِ دِينِهِ، وأووا المُهاجِرِين وساعدُوهُمْ، فلمّا أعزّ اللهُ الإِسْلام، وكثُر ناصِرُوهُ، قال بعْضُ الأنْصارِ لِبعْضٍ: لوْ أنّهُمْ أقْبلُوا على أمْوالِهِمْ فأصْلحُوها. فأنْزل اللهُ تعالى هذِهِ الآية. وفِيها يُبيِّنُ اللهُ لهُمْ أنّ الإِقامة على الأمْوالِ، وإِصْلاحها، وترْك الغزْوِ والجِهادِ والإِنْفاقِ فِي سبيل الله ... فِيهِ التّهْلُكةُ. فعادُوا إِلى الجِهادِ، وإِلى إِنْفاقِ أمْوالِهِمْ فِي سبيلِ اللهِ، وإِعْلاءِ كلِمتِهِ، وفِي وُجُوهِ الطّاعاتِ. وأخْبر اللهُ المُؤْمِنين بِأنّ ترْك الجِهادِ، وترْك الإِنْفاقِ فِيهِ هلاكٌ ودمارٌ لِمنْ لِزِمهُ واعْتادهُ، فإِذا بخِل المُؤْمِنُون، وقعدُوا عنِ الجِهادِ ركِبهُمْ أًعْداؤُهُمْ وأذلُّوهُمْ، فكأنّهُمْ إِنّما ألْقوا بِأيْدِيهِمْ إِلى التّهْلُكةِ. ثُمّ أمر اللهُ المُسْلِمِين بِأنْ يُحْسِنُوا كُلّ أعْمالِهِمْ، وأنْ يُجوِّدٌوها، ويدْخُلُ فِي ذلِك التّطوُعُ بِالإِنْفاقِ فِي سبيلِ اللهِ لِنشْرِ الدّعْوةِ ... [2]

عَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ: غَزَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ نُرِيدُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَعَلَى الْجَمَاعَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَالرُّومُ مُلْصِقُو ظُهُورِهِمْ بِحَائِطِ الْمَدِينَةِ، فَحَمَلَ رَجُلٌ عَلَى الْعَدُوِّ، فَقَالَ النَّاسُ: مَهْ مَهْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يُلْقِي بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ:"إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ لَمَّا نَصَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ، وَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ قُلْنَا: هَلُمَّ نُقِيمُ فِي أَمْوَالِنَا وَنُصْلِحُهَا"،فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة:195] فَالْإِلْقَاءُ بِالْأَيْدِي إِلَى التَّهْلُكَةِ أَنْ نُقِيمَ فِي أَمْوَالِنَا وَنُصْلِحَهَا وَنَدَعَ الْجِهَادَ"،قَالَ أَبُو عِمْرَانَ: «فَلَمْ يَزَلْ أَبُو أَيُّوبَ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى دُفِنَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ» [3] "

وقوله تعالى: «وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» .دعوة إلى البذل في وجوه الحق والخير، وأولى هذه الوجوه ما كان في الجهاد في سبيل الله، فهذا باب

(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 4118)

(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 202، بترقيم الشاملة آليا)

(3) - سنن أبي داود (3/ 12) (2512) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت