فهرس الكتاب

الصفحة 603 من 849

وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ} فلما كانوا جامعين لهذه الرذائل لا جرم حقت عليهم العقوبة ولما وقعوا فيها لم يكن لهم ناصر ينصرهم ولا مغيث ينقذهم ويوبخون عند ذلك بهذه الأعمال الساقطة [1]

والمترفون أشد الناس استغراقا في المتاع والانحراف والذهول عن المصير. وها هم أولاء يفاجأون بالعذاب الذي يأخذهم أخذا، فإذا هم يرفعون أصواتهم بالجؤار، مستغيثين مسترحمين (وذلك في مقابل الترف والغفلة والاستكبار والغرور) ثم ها هم أولاء يتلقون الزجر والتأنيب: «لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ» .. وإذا المشهد حاضر، وهم يتلقون الزجر والتأنيب، والتيئيس من كل نجدة ومن كل نصير، والتذكير بما كان منهم وهم في غمرتهم مستغرقون: «قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ» فتتراجعون على أعقابكم كأن ما يتلى عليكم خطر تحاذرونه، أو مكروه تجانبونه، مستكبرين عن الإذعان للحق. ثم تزيدون على هذا سوء القول وهجره في سمركم، حيث تتناولون الرسول - صلى الله عليه وسلم - وما جاء به بكلمات السوء.

ولقد كانوا يطلقون ألسنتهم بهجر القول وفحشه في مجالسهم وهم يتحلقون حول الأصنام في سامرهم بالكعبة. فها هو ذا القرآن يرسم لهم مشهد حسابهم على ما هم فيه وهم يجأرون طالبين الغوث، فيذكرهم بسمرهم الفاحش، وهجرهم القبيح. وكأنما هو واقع اللحظة، وهم يشهدونه ويعيشون فيه! وذلك على طريقة القرآن الكريم في رسم مشاهد القيامة كأنها واقع مشهود.

والمشركون في تهجمهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى القرآن في نواديهم وفي سمرهم يمثلون الكبرياء الجاهلة، التي لا تدرك قيمة الحق لأنها مطموسة البصيرة عمياء، فتتخذ منه مادة للسخرية والهزء والاتهام. ومثل هؤلاء في كل زمان. وليست جاهلية العرب إلا نموذجا لجاهليات كثيرة خلت في الزمان وما تزال تظهر الآن بعد الآن! [2] .

وقال تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء:16]

فِي قِراءةٍ (أمرْنا) وجْهانِ:

(أمرْنا بِالتّخْفِيفِ - وهُو المشْهُورُ فِي قِراءتِها: فمِنْ قائِلٍ: إِنّ المعْنى هُو أنّهُ إِذا دنا تعلُّقِ إِرادتِنا بِإِهْلاكِ قرْيةٍ بِعذابِ الاسْتِئْصالِ لِما ظهر فِيها مِن المعاصِي، ولمّا دنّستْ بِهِ نفْسها مِن الآثامِ، لمْ يُعاجِلْها اللهُ تعالى بِالعُقُوبةِ، بلْ يأْمُرُ مُتْرفِيها بِالطّاعةِ فإِذا فسقُوا عنْ أمْرِ ربِّهِمْ، وتمرّدُوا، حقّ عليْهِمُ العذابُ

(1) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 555)

(2) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 3196)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت