فهرس الكتاب

الصفحة 613 من 849

يُبيِّنُ اللهُ تعالى لِلنّاسِ ما لِلْمُجاهِدِين فِي سبيلِ اللهِ، بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ، مِنْ عظِيمِ الأجْرِ والمغْفِرةِ والدّرجاتِ الكرِيمةِ عِنْد ربِّهِمْ، فقال تعالى: إنّ القاعِدِين عنِ الجِهادِ - إذا كانُوا غيْر معْذُورِين، وغيْر ذوِي عِلّةٍ وضررٍ - لا يسْتوُون مع المُجاهِدِين بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ، وإنّ الله فضّل المُجاهِدِين على القاعِدِين، وخصّهُمْ بِدرجاتٍ عظِيمةٍ، وأجْرٍ كبير، وإنْ كان تعالى قدْ وعد القاعِدِين عنِ الجِهادِ عجْزًا، مع تمنِّي القُدْرةِ عليهِ، كما وعد المُجاهِدِين، بِالخيْرِ والمثُوبةِ والعفْوِ والمغْفِرةِ لأنّ كُلًا مِنْهُمْ كامِلُ الإِيمانِ، مُخْلِصٌ للهِ فِي العملِ.

وهذا الأجْرُ العظِيمُ الذِي وعد اللهُ بِهِ المُجاهِدِين، وفضّلهُمْ بِهِ على القاعِدِين مِنْ ذوي الأعْذارِ، هُو درجاتٌ مِنْهُ، ومنازِلُ بعْضُها فوْق بعْضٍ مِن الكرامةِ، والمغْفِرةِ والرّحْمةِ، وكان اللهُ غفُورًا لِذُنُوبِ أوْلِيائِهِ الذِين يسْتحِقُّون المغْفِرة، رحِيمًا بِأهْلِ طاعتِهِ. [1]

وفى قوله تعالى: «لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ» بيان لما بين المجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وبين الذين لم يجاهدون بأموالهم وأنفسهم من ذوى الأعذار- من تفاوت في الفضل والمنزلة عند الله ..

فهؤلاء الذين أعطاهم الله المال، وعافاهم في أنفسهم، فلم يفقدوا جارحة من جوارحهم العاملة، ولم يصابوا بمرض مقعد- هؤلاء إذا أدوا حقّ الله في هذه النعم التي أنعم بها عليهم في المال وفى النفس، فبذلوا المال في سبيل الله، وقدموا أنفسهم للاستشهاد في سبيل الله- فقد استحقوا جزاء المحسنين، واستوفوه كاملا! أما هؤلاء الذين لم يكن لهم مال ينفقونه في سبيل الله، أو قدرة بدنية على الجهاد بأنفسهم في سبيل الله، فهم- وإن كانوا ولا لوم عليهم، ولا مؤاخذة- لم يكسبوا ما كسبه المجاهدون بأموالهم وأنفسهم، وبهذا سبقهم هؤلاء المجاهدون بأموالهم وأنفسهم، في ميدان الفضل والإحسان، وكانوا أعلى درجة عند الله منهم .. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:

«فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى» .

فهؤلاء، وأولئك، قد وعدهم الله الحسنى، وإن كان المجاهدون بأموالهم وأنفسهم أعلى درجة منهم في مقام الإحسان، الذي هو حظ مقسوم بين المسلمين الذين آمنوا بالله، وأدوا لله ما أمرهم به، جهد طاقتهم، وما وسعت أنفسهم.

أما الذين آمنوا، ولم يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، وبين أيديهم المال، ومعهم الصحة والعافية، ولكنهم آثروا السلامة والدّعة، وبخلوا بما آتاهم الله من فضله- هؤلاء قد بخسوا دينهم حقّه، ونزلوا عن درجات المؤمنين، على حين ارتفع المجاهدون بأموالهم وأنفسهم درجات .. وبهذا كان البون بين الفريقين شاسعا، والمدى بعيدا .. وهذا ما تضمنه قوله سبحانه.

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 588، بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت