اسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ بِسَبَبِ تَرْكِ ذَلِكَ التَّحْصِينِ).قَالَ تَعَالَى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة:195] ،وَهِيَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْهَلَاكِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا. وَقَالَ قَوْمٌ: التَّهْلُكَةُ مَا أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ عَنْهُ وَالْهَلَاكُ مَا لَمْ يُمْكِنْ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، وَقِيلَ هِيَ نَفْسُ الشَّيْءِ الْمُهْلِكِ، وَقِيلَ هِيَ مَا تَضُرُّ عَاقِبَتُهُ. وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ الْإِلْقَاءِ بِالْأَيْدِي إلَى التَّهْلُكَةِ، فَقِيلَ هُوَ رَاجِعٌ إلَى نَفْسِ النَّفَقَةِ وَعَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْجُمْهُورِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْبُخَارِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ عَلَى أَنْ لَا يُنْفِقُوا فِي جِهَاتِ الْجِهَادِ أَمْوَالَهُمْ فَيَسْتَوْلِيَ الْعَدُوُّ عَلَيْهِمْ وَيُهْلِكَهُمْ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ إنْ كُنْت مِنْ رِجَالِ الدِّينِ فَأَنْفِقْ مَالَك فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كُنْت مِنْ رِجَالِ الدُّنْيَا فَأَنْفِقْ مَالَك فِي دَفْعِ الْهَلَاكِ وَالضُّرِّ عَنْ نَفْسِك [1] .
ولذلك كان ترك الجهاد وعدم الاستعداد له علامة على النفاق قال: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق) .
وقد عده الله عز وجل علامة على عدم الإيمان باليوم الآخر، أو ضعف اليقين به فقال تعالى {لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45) وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47) } [التوبة:44 - 47] .
ويمكن تفصيل المخاطر والعواقب السيئة لترك الجهاد فيما يلي:
1 -ترك الجهاد كما مضى كبيرة من الكبائر؛ لأن فيه تعريض النفس لسخط الله عز وجل وعقابه في الدنيا والآخرة
قال تعالى: (إِلاّ تنْفِرُوا يُعذِّبْكُمْ عذابًا ألِيمًا ويسْتبْدِلْ قوْمًا غيْركُمْ ولا تضُرُّوهُ شيْئًا واللّهُ على كُلِّ شيْءٍ قدِيرٌ) (التوبة:39) .
وقال تعالى: (قُلْ إِنْ كان آباؤُكُمْ وأبْناؤُكُمْ وإِخْوانُكُمْ وأزْواجُكُمْ وعشِيرتُكُمْ وأمْوالٌ اقْترفْتُمُوها وتِجارةٌ تخْشوْن كسادها ومساكِنُ ترْضوْنها أحبّ إِليْكُمْ مِن اللّهِ ورسُولِهِ وجِهادٍ فِي سبِيلِهِ فتربّصُوا حتّى يأْتِي اللّهُ بِأمْرِهِ واللّهُ لا يهْدِي الْقوْم الْفاسِقِين لقدْ نصركُمُ اللّهُ فِي مواطِن كثِيرةٍ ويوْم حُنيْنٍ إِذْ أعْجبتْكُمْ كثْرتُكُمْ فلمْ تُغْنِ عنْكُمْ شيْئًا وضاقتْ عليْكُمُ الْأرْضُ بِما رحُبتْ ثُمّ ولّيْتُمْ مُدْبِرِين ثُمّ أنْزل اللّهُ سكِينتهُ على رسُولِهِ وعلى الْمُؤْمِنِين وأنْزل جُنُودًا لمْ تروْها وعذّب الّذِين كفرُوا وذلِك جزاءُ الْكافِرِين) (التوبة:26) .
(1) - الزواجر عن اقتراف الكبائر (2/ 269)