إن التفسير المادي للتاريخ يحذف هذا الجانب حذفا باتا من تفسيره لأطوار الأمم وأحداث التاريخ، ذلك أن وجهته ابتداء هي استبعاد العنصر الأخلاقي من الحياة، واستبعاد القاعدة الاعتقادية التي يقوم عليها .. ولكن هذا التفسير يضطر إلى مماحكات مضحكة في تفسير أحداث وأطوار في حياة البشرية لا سبيل إلى تفسيرها إلّا على أساس القاعدة الاعتقادية.
والتفسير الإسلامي - بشموله وجديته وصدقه وواقعيته - لا يغفل أثر العناصر المادية - التي يجعلها التفسير المادي هي كل شيء - ولكنه يعطيها مكانها الذي تستحقه في رقعة الحياة العريضة ويبرز العناصر الفعالة الأخرى التي لا ينكرها إلّا أصحاب العناد الصفيق لواقعيات الوجود .. يبرز قدر اللّه من وراء كل شيء ويبرز التغير الداخلي في الضمائر والمشاعر والعقائد والتصورات ويبرز السلوك الواقعي والعنصر الأخلاقي .. ولا يغفل عاملا واحدا من العوامل التي تجري بها سنة اللّه في الحياة .. [1]
عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، حَدَّثَتْهُ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -،دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يَقُولُ: «لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ» وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ» صحيح البخاري [2] .
وعَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَوْلًى لَنَا، أَنَّهُ سَمِعَ جَدِّي، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"إِنَّ اللهَ لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ، حَتَّى يَرَوْا الْمُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يُنْكِرُوهُ فَلَا يُنْكِرُوهُ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ، عَذَّبَ اللهُ الْخَاصَّةَ وَالْعَامَّةَ"مسند أحمد [3]
وعَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ بِالْمَعَاصِيِ هُمْ أَعَزُّ مِنْهُمْ، وَأَمْنَعُ لَمْ يُغَيِّرُوا إِلَّا أَصَابَهُمُ اللهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ» معجم الطبراني الكبير [4]
وعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَا مِنْ قَوْمٍ يَكُونُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ رَجُلٌ يَعْمَلُ بِالْمَعَاصِي هُمْ أَمْنَعُ مِنْهُ وَأَعَزُّ لَا يُغَيِّرُونَ عَلَيْهِ، إِلَّا أَصَابَهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ» [5]
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 1452)
(2) - صحيح البخاري (4/ 138) (3346) وصحيح مسلم (4/ 2207) 1 - (2880)
[ش (ويل) كلمة تستعمل للحزن والهلاك والمشقة. (ردم) سد. (حلق بإصبعه الإبهام والتي تليها) يعني جعل الإصبع السبابه في أصل الإبهام وضمها حتى لم يبق بينهما إلا خلل يسير والمعنى أنه لم يبق لمجيء الشر إلا اليسير من الزمن. (الخبث) الفسوق والفجور والمعاصي]
(3) - مسند أحمد ط الرسالة (29/ 258) (17720) حسن لغيره
(4) - المعجم الكبير للطبراني (2/ 331) (2379) صحيح
(5) - جامع معمر بن راشد (11/ 348) (20723) صحيح