فهرس الكتاب

الصفحة 758 من 849

اللّه لا يعني شيئا إلا الفساد في الأرض، وإلا الانحراف عن المنهج الوحيد القويم، وإلا انتفاء العدالة في حياة البشر، وإلا عبودية الناس بعضهم لبعض، واتخاذ بعضهم لبعض أربابا من دون اللّه .. وهو شر عظيم وفساد عظيم .. لا يجوز ارتكابه في محاولة عقيمة لا تكون لأنها غير ما قدره اللّه في طبيعة البشر ولأنها مضادة للحكمة التي من أجلها قدر ما قدر من اختلاف المناهج والمشارع، والاتجاهات والمشارب .. وهو خالق وصاحب الأمر الأول فيهم والأخير. وإليه المرجع والمصير ..

إن محاولة التساهل في شيء من شريعة اللّه، لمثل هذا الغرض، تبدو - في ظل هذا النص الصادق الذي يبدو مصداقه في واقع الحياة البشرية في كل ناحية - محاولة سخيفة لا مبرر لها من الواقع ولا سند لها من إرادة اللّه ولا قبول لها في حس المسلم، الذي لا يحاول إلا تحقيق مشيئة اللّه. فكيف وبعض من يسمون أنفسهم «مسلمين» يقولون: إنه لا يجوز تطبيق الشريعة حتى لا نخسر «السائحين» ؟!!!

أي واللّه هكذا يقولون! ويعود السياق فيؤكد هذه الحقيقة، ويزيدها وضوحا. فالنص الأول: «فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ» .. قد يعني النهي عن ترك شريعة اللّه كلها إلى أهوائهم! فالآن يحذره من فتنتهم له عن بعض ما أنزل اللّه إليه: «وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ، وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ» ..

فالتحذير هنا أشد وأدق وهو تصوير للأمر على حقيقته .. فهي فتنة يجب أن تحذر .. والأمر في هذا المجال لا يعدو أن يكون حكما بما أنزل اللّه كاملا أو أن يكون اتباعا للهوى وفتنة يحذر اللّه منها.

ثم يستمر السياق في تتبع الهواجس والخواطر فيهون على رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أمرهم إذا لم يعجبهم هذا الاستمساك الكامل بالصغيرة قبل الكبيرة في هذه الشريعة، وإذا هم تولوا فلم يختاروا الإسلام دينا أو تولوا عن الاحتكام إلى شريعة اللّه (في ذلك الأوان حيث كان هناك تخيير قبل أن يصبح هذا حتما في دار الإسلام) : «فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ. وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ» .فإن تولوا فلا عليك منهم ولا يفتنك هذا عن الاستمساك الكامل بحكم اللّه وشريعته. ولا تجعل إعراضهم يفت في عضدك أو يحولك عن موقفك .. فإنهم إنما يتولون ويعرضون لأن اللّه يريد أن يجزيهم على بعض ذنوبهم. فهم الذين سيصيبهم السوء بهذا الإعراض: لا أنت ولا شريعة اللّه ودينه ولا الصف المسلم المستمسك بدينه .. ثم إنها طبيعة البشر: «وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ» فهم يخرجون وينحرفون. لأنهم هكذا ولا حيلة لك في هذا الأمر، ولا ذنب للشريعة! ولا سبيل لاستقامتهم على الطريق! وبذلك يغلق كل منافذ الشيطان ومداخله إلى النفس المؤمنة ويأخذ الطريق على كل حجة وكل ذريعة لترك شيء من أحكام هذه الشريعة لغرض من الأغراض في ظرف من الظروف ..

ثم يقفهم على مفرق الطريق .. فإنه إما حكم اللّه، وإما حكم الجاهلية. ولا وسط بين الطرفين ولا بديل

حكم اللّه يقوم في الأرض، وشريعة اللّه تنفذ في حياة الناس، ومنهج اللّه يقود حياة البشر .. أو أنه حكم الجاهلية، وشريعة الهوى، ومنهج العبودية .. فأيهما يريدون؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت