وَمَنْ أَذْعَنَ لَهُ نِفَاقًا، وَأَرَادَ اطِّلَاعَ أَصْحَابِهِ عَلَيْهِمْ لِيَحْذَرُوا مِنْهُمْ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِأَسْمَائِهِمْ؛ لِعِلْمِهِ بِأَنَّ بَعْضَهُمْ يَتُوبُ، فَلَمْ يَفْضَحْهُمْ بَيْنَ النَّاسِ؛ وَلِأَنَّ تَرْكَ التَّصْرِيحِ أَوْقَعُ فِي النَّصِيحَةِ، وَأَدَلُّ عَلَى الشَّفَقَةِ، وَأَجْلَبُ إِلَى الدَّعْوَةِ إِلَى الْإِيمَانِ، وَأَبْعَدُ عَنِ النُّفُورِ وَالْمُخَاصَمَةِ وَالِالْتِحَاقِ بِالْمُخَالِفِينَ. [1]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ:"قَالَ اللَّهُ: ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ" [2] .
قَالَ الْقَاضِي - رَحِمَهُ اللَّهُ:الْخَصْمُ مَصْدَرُ خَصَمْتُهُ أَخْصِمُهُ: نَعْتٌ فِي لِلْمُبَالَغَةِ كَالْعَدْلِ، زَادَ ابْنُ مَاجَهْ: وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ أَيْ: غَلَبْتُهُ فِي الْخُصُومَةِ (رَجُلٌ أَعْطَى بِي) أَيْ عَهِدَ بِاسْمِي وَحَلَفَ بِي أَوْ أَعْطَى الْأَمَانَ بِاسْمِي أَوْ بِمَا شَرَعْتُهُ مِنْ دِينِي (ثُمَّ غَدَرَ) أَيْ: نَقَضَهُ قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ:وَهُوَ قَرِينٌ لِخُصُوصِيَّةِ الْإِعْطَاءِ بِالْعَهْدِ فَقَوْلُهُ بِي حَالٌ أَيْ: مَوْثِقًا بِي لِأَنَّ الْعَهْدَ مِمَّا يُوثَقُ بِهِ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ قَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} [البقرة:27] ، (وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ) زِيدَ هَذَا الْقَيْدُ لِمَزِيدِ التَّوْبِيخِ (وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ) أَيْ: مَا أَرَادَ بِهِ مِنَ الْعَمَلِ أَتَى بِهِ تَهَجِينًا لِلْأَمْرِ وَزِيَادَةً لِلتَّقْرِيعِ (وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ وَلَمْ يُوَفِّهِ أَيْ لَمْ يُعْطَهِ أَجْرَهُ وَافِيًا" [3] "
وعَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ رَجُلٌ مِنْ حِمْيَرَ قَالَ: كَانَ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ وَبَيْنَ الرُّومِ عَهْدٌ وَكَانَ يَسِيرُ نَحْوَ بِلَادِهِمْ حَتَّى إِذَا انْقَضَى الْعَهْدُ غَزَاهُمْ، فَجَاءَ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ أَوْ بِرْذَوْنٍ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَفَاءٌ لَا غَدَرَ، فَنَظَرُوا فَإِذَا عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلَا يَشُدُّ عُقْدَةً وَلَا يَحُلُّهَا حَتَّى يَنْقَضِيَ أَمَدُهَا أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ» فَرَجَعَ مُعَاوِيَةُ" [4] "
وَإِنَّمَا كَرِهَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ إِذَا هَادَنَهُمْ إِلَى مُدَّةٍ وَهُوَ مُقِيمٌ فِي وَطَنِهِ فَقَدْ صَارَتْ مُدَّةُ مَسِيرِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ الْمَضْرُوبَةِ كَالْمَشْرُوطِ مَعَ الْمُدَّةِ فِي أَنْ يَغْزُوَهُمْ فِيهَا فَإِذَا سَارَ إِلَيْهِمْ فِي أَيَّامِ الْهُدْنَةِ كَانَ إِيقَاعُهُ قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي يَتَوَقَّعُونَهُ فَعَدَّ ذَلِكَ عَمْرٌو غَدْرًا وَأَمَّا إِنْ نَقَضَ أَهْلُ الْهُدْنَةِ بِأَنْ ظَهَرَتْ مِنْهُمْ خِيَانَةٌ فَلَهُ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْهِمْ عَلَى غَفْلَةٍ مِنْهُمْ (فَسَأَلَ مُعَاوِيَةُ عَنْ ذَلِكَ) ; أَيْ عَنْ دَلِيلِ مَا ذَكَرَهُ ( «فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلَا يَحُلَّنَّ عَهْدًا» ) ; أَيْ عَقْدَ عَهْدٍ (وَلَا يَشُدَّنَّهُ) أَرَادَ بِهِ الْمُبَالَغَةَ عَنْ عَدَمِ التَّغَيُّرِ وَإِلَّا فَلَا مَانِعَ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي الْعَهْدِ وَالتَّأْكِيدِ، وَالْمَعْنَى لَا يُغَيِّرِنَّ عَهْدًا وَلَا يَنْقُضْهُ بِوَجْهٍ وَفِي رِوَايَةٍ فَيَشُدُّهُ وَلَا يَحُلُّهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هَكَذَا
(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (1/ 128)
(2) - صحيح البخاري (3/ 82) (2227)
[ش (أعطى بي) عاهد باسمي وحلف. (غدر) نقض العهد ولم يف به أو لم يبر بقسمه. (باع حرا) وهو يعلم أنه حر. (فاستوفى منه) العمل الذي استأجره من أجله]
(3) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (5/ 1991)
(4) - سنن أبي داود (3/ 83) (2759) صحيح