فهرس الكتاب
يقُولُ تعالى: إِنّ شرّ المخْلُوقاتِ التِي تدِبُّ على الأرْضِ، فِي حُكْمِ اللهِ وعدْلِهِ، هُمُ الكافِرُون الذِين اجْتمعتْ فِيهِمْ صِفتانِ:
(أ) - الإِصْرارُ على الكُفْرِ، والرُّسُوخُ فِيهِ حتّى لا يُرْجى لهُمْ إِيمانٌ.
(ب) - نقْضُ العهْدِ.
وكان الرّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - حِين هِجْرتِهِ إلى المدِينةِ، عقد مع اليهُودِ عُقُودًا، أمّنهُمْ فِيها على أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ ودِينِهِمْ، فنقضُوا هذِهِ العُهُود، وتآمرُوا على الرّسُولِ والمُسْلِمِين.
الذِين كُلّما عاهُدُوا عهْدًا نقضُوهُ، وكُلّما أكّدُوا بِالأيْمانِ نكثُوهُ، وهُمْ لا يخافُون عِقاب اللهِ على شيءٍ مِن الآثامِ ارْتكبُوهُ.
فإِذا ما لقِيتهُم يا أيُّها الرّسُولُ فِي الحرْبِ، وظفِرْت بِهِمْ، فنكِّلْ بِهِمْ، وأثْخِنْ فِيهِمْ قتْلًا، لِيخاف سِواهُمْ مِن الأعْداءِ {فشرِّدْ بِهِمْ منْ خلْفهُمْ} ،وليكُونُوا عِبْرةً لِغيْرِهِمْ، لعلّهُمْ يُحاذِرُون أنْ ينْكُثُوا أيْمانهُمْ، ويخُونُوا عُهُودهُمْ، فيحِلّ بِهِمْ مِثْلُ ذلِك.
وإِذا خِفْت مِنْ قوْمٍ عاهدْتهُمْ، خِيانةً ونقْضًا لِلْعهْدِ الذِي بيْنك وبيْنهُمْ، فانْبِذْ إِليْهِمْ عهْدهُمْ، وأعْلِمْهُمْ بِأنّك نقضْت عهْدهُمْ حتّى يعْلمُوا أنّ لا عهْد بيْنك وبيْنهُمْ على السّواءِ، فتسْتوِي أنْت وإِيّاهُمْ فِي ذلِك بِدُونِ خِداعٍ ولا اسْتِخْفاءٍ. واللهُ لا يُحِبُّ الخائِنِين، حتّى ولوْ كانتِ الخِيانةُ مُوجّهةً لِلْكُفّارِ. [1]
وعَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، قَالَ:"ثَلَاثَةٌ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ فِيهِنَّ سَوَاءٌ: مَنْ عَاهَدْتَهُ وَفِّ بِعَهْدِهِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، فَإِِنَّمَا الْعَهْدُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ كَانَتْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ رَحِمٌ فَصِلْهَا، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا وَمَنِ ائْتَمَنَكَ عَلَى أَمَانَةٍ فَأَدِّهَا إِِلَيْهِ"مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا." [2] "
قوله تعالى «إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» .. هو التعقيب المناسب لما أخذ به الظالمون من بلاء ونكال ..
إنّ هذا الحكم هو الذي تشيّعهم به الحياة، وهم يعالجون سكرات الموت، إذ كانوا في حرب مع الله، ومع أولياء الله .. فكيف يرحمهم قلب، أو تدمع عليهم عين؟
وفى قوله تعالى: «فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» بعد قوله سبحانه: «الَّذِينَ كَفَرُوا» - في هذا ما يسأل عنه: إذ كيف يكون نفى الإيمان عنهم مسبّبا لكفرهم، مع أن عدم الإيمان هو عين الكفر .. والسبب لا يكون عين المسبّب، وإن كان نتيجة لازمة من لوازمه؟ ..
والجواب- والله أعلم-:أن كفر هؤلاء الكافرين الذين وصفوا بأنّهم شرّ الدّوابّ عند الله .. إنما يتلبس بنفوس خاصّة، من جماعة من الكافرين، لا بكلّ الكافرين .. وتلك الجماعة هى التي من شأنها ألا تخلع هذا الكفر أبدا، بل تشدّ قلوبها عليه، حتى تموت به! ومن هنا استحقت تلك الجماعة هذا الوصف
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 1216، بترقيم الشاملة آليا)
(2) - شعب الإيمان (6/ 203) (4053) صحيح