فهرس الكتاب
وقيل: إنهم بنو قينقاع. وقيل: إنهم الأعراب الذين كانوا حول المدينة من المشركين .. والنص والواقع التاريخي كلاهما يحتمل أن يكونوا هؤلاء جميعا. فلقد نقض اليهود عهودهم مع رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - طائفة طائفة، كما أنه قد تكرر نقض المشركين لعهودهم أيضا .. والمهم أن نعلم أن هذه النصوص تتحدث عن حالة واقعة قبل بدر وبعدها، إلى حين نزول هذه الآيات. ولكن الحكم الصادر فيها، المصور لطبيعة الناقضين للعهد يصور حالة دائمة، ويقرر صفة ثابتة ..
فهؤلاء الذين كفروا ولجّوا في الكفر «فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» .. ففسدت بذلك فطرتهم، وباتوا بذلك شر الدواب عند اللّه. هؤلاء الذين ينقضون كل عهد أبرموه، فتجردوا بذلك من خصيصة إنسانية أخرى - خصيصة التقيد بالعهد - وانطلقوا من كل قيد، كما تنطلق البهيمة، لولا أن البهيمة مقيدة بضوابط فطرتها، وهؤلاء لا ضابط لهم. فهم بذلك شر الدواب عند اللّه! هؤلاء الذين لا يستطيع أحد أن يطمئن إلى عهدهم وجوارهم .. جزاؤهم هو حرمانهم الأمن كما حرموا غيرهم الأمن وجزاؤهم هو تخويفهم وتشريدهم، والضرب على أيديهم بشدة لا ترهبهم وحدهم، إنما ترهب من يتسامع بهم ممن وراءهم من أمثالهم، والرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن بعده من المسلمين، مأمورون - إذا التقوا بأمثال هؤلاء في القتال - أن يصنعوا بهم ذلك الصنيع: «فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ» .. وإنه لتعبير عجيب، يرسم صورة للأخذ المفزع، والهول المرعب، الذي يكفي السماع به للهرب والشرود.
فما بال من يحل به هذا العذاب الرعيب؟ إنها الضربة المروّعة يأمر اللّه تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ بها هؤلاء الذين مردوا على نقض العهد، وانطلقوا من ضوابط الإنسان، ليؤمن المعسكر الإسلامي أولا، وليدمر هيبة الخارجين عليه أخيرا وليمنع كائنا من كان أن يجرؤ على التفكير في الوقوف في وجه المد الإسلامي من قريب أو من بعيد ..
إنها طبيعة هذا المنهج التي يجب أن تستقر صورتها في قلوب العصبة المسلمة. إن هذا الدين لا بد له من هيبة، ولا بد له من قوة، ولا بد له من سطوة، ولا بد له من الرعب الذي يزلزل الطواغيت حتى لا تقف للمد الإسلامي، وهو ينطلق لتحرير «الإنسان» في «الأرض» من كل طاغوت. والذين يتصورون أن منهج هذا الدين هو مجرد الدعوة والتبليغ، في وجه العقبات المادية من قوى الطاغوت، هم ناس لا يعرفون شيئا عن طبيعة هذا الدين! وهذا هو الحكم الأول يتعلق بحالة نقض العهد فعلا مع المعسكر الإسلامي وما ينبغي أن يتبع في ضرب الناقضين للعهد وإرهابهم وإرهاب من وراءهم بالضربة القاصمة المروعة الهائلة.
فأما الحكم الثاني فيتعلق بحالة الخوف من نقض العهد وتوقع الخيانة وذلك بظهور أفعال وأمارات تدل على أن القوم يهمون بنقض العهد فعلا: «وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ. إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ» ..