فهرس الكتاب

الصفحة 794 من 849

فليطمئن أصحاب الوسائل النظيفة - متى أخلصوا النية فيها للّه - من أن يسبقهم أصحاب الوسائل الخسيسة. فإنما هم منصورون باللّه الذي يحققون سنته في الأرض، ويعلون كلمته في الناس، وينطلقون باسمه. يجاهدون ليخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة اللّه وحده بلا شريك.

ولكن الإسلام يتخذ للنصر عدته الواقعية التي تدخل في طوق العصبة المسلمة فهو لا يعلق أبصارها بتلك الآفاق العالية إلا وقد أمن لها الأرض الصلبة التي تطمئن عليها أقدامها وهيأ لها الأسباب العملية التي تعرفها فطرتها وتؤيدها تجاربها وإلا إذا أعدها هي للحركة الواقعية التي تحقق هذه الغايات العلوية [1]

وقال تعالى: {يا أيُّها الّذِين آمنُواْ لا تخُونُواْ اللّه والرّسُول وتخُونُواْ أماناتِكُمْ وأنتُمْ تعْلمُون} (27) سورة الأنفال

نزلتْ هذِهِ الآيةُ فِي أبِي لُبابة حِين بعثهُ الرّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - إِلى بنِي قُريْظة لِينْزِلُوا على حُكْمِ رسُولِ اللهِ، فاسْتشار اليهُودُ أبا لُبابة - وكان حلِيفًا لهُمْ - فأشار عليْهِمْ بِالنُّزُولِ على حُكْمِ رسُولِ اللهِ، ولكِنّهُ أشار بِيدِهِ إلى حلْقِهِ، أيْ أنّه الذّبْح. ثُمّ شعر أنّهُ خان الله ورسُولهُ، فربط نفْسهُ فِي سارِيةِ المسْجِدِ تِسْعةِ أيّامٍ لا يذُوقُ طعامًا حتّى تاب اللهُ عليْهِ، فأطْلقُهُ رسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. (وقِيل أيْضًا إِنّها نزلتْ فِي حاطِبِ بْنِ أبِي بلْتعة، الذِي أرْسل رِسالةً إِلى قُريْشٍ مع امْرأةٍ يُعْلِمُها فِيها بِأنّ الرّسُول تجهّز لِغزْوِهِمْ يوْم فتْحِ مكّة) .والآيةُ عامّةٌ.

يأْمُرُ اللهُ تعالى المُؤْمِنِين فِي هذِهِ الآيةِ بِأنْ لا يخُونُوا الله بِارْتِكابِ الذُّنُوبِ، وأنْ يخُونُوا رسُولهُ بِترْكِ سُننِهِ، وارْتِكابِ معْصِيتِهِ، وأنْ لا يخُونُوا أماناتِهِمْ فِي أعْمالِهِمْ التِي ائْتمن اللهُ العِباد عليها: يعْنِي الفرائِض، وهِي تشْملُ أمانة الإِنْسانِ نحْو النّاسِ فِي تعامُلِهِ معهُمْ: كالمِكْيالِ والمِيْزانِ، وأداءِ الشّهادةِ بِالحقِّ والصِّدْقِ، وكِتْمانِ السِّرِّ .. إلخ. فالأمانةُ واحِدةُ ولا تبْعِيض فِيها، وأنْتُمْ تعْلمُون أيُّها المُؤْمِنُون مساوِىء الخِيانةِ، وسُوء عاقِبتِها [2] .

وفى قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» دعوة للمؤمنين إلى القيام بأمر الله، والتزام طاعته وطاعة رسوله، والوقوف عند الحدود التي بينها الله تعالى، فيما أنزل على رسوله من آياته وكلماته ..

فالخروج على أمر الله، والخلاف لرسوله، هو خيانة لله ولرسوله، بعد أن علموا، وتثبتوا مما أمرهم الله به، أو نهاهم عنه .. ثم هو خيانة للمرء نفسه، إذ نقض العهد، وخان الأمانة التي ائتمنه الله عليها ..

وهذا مقابل لقوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ» .

(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 2084)

(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 1188، بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت