وقد اتفق العلماء على أن النفس الواحدة هي آدم - عليه السلام -، وأن (زوجها) المقصود حواء عليها السلام.
فمن هنا يتقرر أن أصل الإنسان واحد، وأن البشر من أب وأم هما آدم وحواء، فالأصل البشري واحد.
والإنسان هو حامل الأمانة في الكون كما قال تبارك وتعالى:
{إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَاوَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72] .
استئناف ابتدائي أفاد الإنباء على سنة عظيمة من سنن الله تعالى في تكوين العالم وما فيه وبخاصة الإنسان ليرقب الناس في تصرفاتهم ومعاملاتهم مع ربهم ومعاملاتهم بعضهم مع بعض بمقدار جريهم على هذه السنة ورعيهم تطبيقها فيكون عرضهم أعمالهم على معيارها مشعرا لهم بمصيرهم ومبينا سبب تفضيل بعضهم على بعض واصطفاء بعضهم من بين بعض.
وأن الحكمة اقتضت أن يكون الإنسان مستودع العقل من بين الموجودات العظيمة لأن خلقته ملائمة لأن يكون عاقلا فإن العقل يبعث على التغير والانتقال من حال إلى حال ومن مكان إلى غيره، فلو جعل ذلك في سماء من السماوات أو في الأرض أو في جبل من الجبال أو جميعها لكان سببا في اضطراب العوالم واندكاكها. وأقرب الموجودات التي تحمل العقل أنواع الحيوان ما عدا الإنسان فلو أودع فيها العقل لما سمحت هيئات أجسامها بمطاوعة ما يأمرها العقل به. فلنفرض أن العقل يسول للفرس أن لا ينتظر علفه أو سومه وأن يخرج إلى حناط يشترى منه علفا، فإنه لا يستطيع إفصاحا ويضيع في الإفهام ثم لا يتمكن من تسليم العوض بيده إلى فرس غيره. وكذلك إذا كانت معاملته مع أحد من نوع الإنسان [1] .
وبعد تأكيد الأصل الواحد للإنسان تأتي الإشارة إلى قيمة التكريم له في قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70] .
هذه الآية الكريمة بيان لتعداد نعم الله تعالى على جميع الناس فإن هذا الإنسان الذي خلقه بيده ونفخ فيه سبحانه من روحه أنعم عليه نعما لا تحصى تكريما له، ومن أعظم التكريم أنه خلق آدم بيده سبحانه وخلق غيره بطريق كن فيكون، فدل هذا على أنه سبحانه خلقه بأعظم عناية وأتمها وأحسنها، وأكملها، وميزه عن بقية خلقه بأهم صفة، وهي العقل، مع تكريم الخلق، وإحسان التصوير.
فإذا علم هذا تبين أن هذا الإنسان بهذه الصفة هو أفضل مخلوقات الله تعالى
(1) مفتاح دار السعادة، ابن قيم الجوزية، دار الكتب العلمية، بيروت، (بدون معلومات) ، ص (260 وما بعدها) .