الذي ميزها بهذه القوة العاقلة، التي بها يتطور، ويبني الحضارة والعمران كما سيأتي، وحيث جعله مميزا عن سائر الحيوان بالمظهر والمخبر.
وهذه الصفة لا توازيها صفة أخرى في مخلوقات الله تعالى المشاهدة والتي سخرها الله تعالى لبنى آدم.
ومن عجائب خلق الله تعالى لهذا الإنسان تكريمًا قدرته على التعبير عما يصيبه من فرح أو ترح مع الوصف الدقيق لما يعتريه وقدرة سامعيه على فهمه.
تكريمه بصفة النطق التي بها يُفْهِمْ غيرَه مراده ويَفْهَمُ غَيرُهُ عنه، حتى يدخل في هذه الميزة الأخرى حيث يعبر بالإشارة والكتابة.
حسن الصورة: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} [غافر: 64] .
ومن تكريم الله تعالى لخلق هذا الإنسان تعليمه الكتابة والقراءة: {اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم} [العلق: 1 - 4] [1] .
كما أكرمه سبحانه بتسخير ما في الأرض له، وتذليلها ليمشي فيها طالبًا الحياة، ساعيًا في الرزق، وهذا من تمام التكريم.
وفي قوله تعالى: {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70] .
زيادة على التكريم يأتي التفضيل، فالتكريم ما أنعم به سبحانه عليه بالمميزات السابقة على سائر المخلوقات، وهذا الذي وضعه في ذاته ابتداء، ثم كمله بأسباب الاكتساب بواسطة العقل والتدبر والنظر لاكتساب الفهم لما أنزل إليه من وحي لاستقامة حياته، وتدبير معاشه بما جعله فوق غيره، فهذا هو التفضيل.
بهذا يتبيَّن خطأ كثير من الفلاسفة والدهريين القائلين بجهل الإنسان الأول وضلاله، وأنه كان لا يعرف سوى شريعة الغاب وهذا من وجوه:
أولًا: أن الله تعالى ما أهبطه إلى الأرض إلا بعد أن علمه الأسماء كلها.
ثانيًا: كيف يكون خليفة في الأرض، وهو من يخلف غيره ويقوم مقامه فيلزم من هذا أن يكون أول هؤلاء الخلفاء وهو آدم ذا علم وحكمة وفهم لتدبير أمره وأمر زوجته وذريته.
ثالثًا: بيان منهج الحياة على الأرض المبين في قوله تعالى: {اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1 - 5] .
فبالنظر بين التناسب بين الآيات والسور:
(1) ينظر: مفتاح دار السعادة، مرجع سابق، (1/ 268) ، وينظر التبيان، لابن القيم، دار المعرفة، بيروت، (41) .