فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 579

أنه تعالى ذكر أول حال الإنسان كونه علقة، مع أنها أخس الأشياء، وآخر حاله وهى صيرورته عالما، وهو أجل المراتب.

فكأن المعنى: أيها الإنسان قد كنت في أول أحوالك في تلك الدرجة (العلق) وهى في غاية الضعف والمهانة، فصرت في آخر حالك في هذه الدرجة التي هي غاية الشرف.

ثم وصف نفسه بالأكرمية -سبحانه-لأنه أعطى العلم، فلولا أنه أشرف عطاء ما ذكره في موضع المنة، فكيف يكون الإنسان المعلم على حالة أشبه بالحيوان في الغابة [1] .

وقد وصف الإنسان في القرآن بأوصاف عدة منها:

الظلم والجهل كما في قوله تعالى: {وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب/72] ، ومنها الضعف: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28] ، ومنها العجلة: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا} [الإسراء: 11] ، ومنها الهلوع: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} [المعارج: 19] ، ومنها المكابدة والكدح والكنود وغيرها من الصفات.

وبعد هذه الإشارات في كتاب الله تعالى لصفات الإنسان تقرر حقيقة مهمة وهي أن الإسلام يكرم الإنسان على إطلاقه، دون تحقير بسبب جنس، أو تصغير بسبب لون، أو امتهان بسبب دين، أو تعصب بسبب قومية أو جنسية ما، وهذه المساواة الإسلامية الإنسانية قاوم بها الإنسان كل نزعات التعصب في النفس الإنسانية، فليس للإنسان ميزة في جوهر طبيعته تجعله أكرم من غيره [2] .

وعلى هذا فوحدة الأصل الإنساني أصل في الحوار الحضاري، ومنطلق للوصول إلى الآخرين، وإن تعددت انتماءاتهم ما داموا مسالمين لنا، نلتقي معهم على الإيمان بمطلق الكرامة لبني البشر، وكما قيل: (( الناس صنفان: إما أخ لك في الإسلام، وإما نظير لك في الخلق ) ) [3] .

(1) تفسير ابن كثير 8/ 437 والتحرير والتنوير 30/ 439 ـ 441.

(2) التواصل الحضاري مع الآخر خصوصية إسلامية، رأفت غنيمي، مقال على شبكة المعلومات:

(3) د. عصام البشير، تعدد الخلق ووحدة الخالق، مقال على شبكة المعلومات:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت