فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 579

والتوراة والإنجيل متفقان على أن الله خلق آدم أبا البشر أول الخلق، وخلق منه حواء، فالبشر جميعًا ينتمون إلى أصل واحد، وتناسل الخلق منه جميعًا كما جاء في التوراة: (ثم جَبَل الرب الإله آدم من تراب الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار آدم نفسًا حية) [1] .

وقد أكد بعض أتباع الكنيسة هذا المبدأ عندهم وكرروه، ونقله عنهم مجموعة من الباحثين ... فمنهم من قال: (( يكمن في الوحدة الجوهرية للجنس البشري، والوعي بأن البشر مهما اختلفت انتماءاتهم الدينية والوطنية يكونون أسرة إنسانية واحدة، خلقها إله واحد، وتعيش في عالم واحد، ومآلها الأخير واحد، وهذه الوحدة تستلزم وحدة الأصل الإنساني وكرامته، ونبذ الاختلافات بين أعضاء الأسرة الإنسانية ) ) [2] .

ورغم تقرير حقيقة وحدة الأصل الإنساني عند القوم إلا أنه يصطدم بمعتقدات أخرى عندهم تناقضها، فقد حكى المولى - جل جلاله - في كتابه الكريم اختيار بني إسرائيل وتفضيلهم على العالمين {وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [الدخان/32] . وهذا التكريم تكريم وقتي لمن آمن منهم فقط، ومع ذلك فقد أصبح اليهود يتشبثون دائمًا بعهد الاصطفاء الأول، ويتشدقون به، ويغضون الطرف عما أحدثوا بعده من كفر وعناد، بل إنهم يزعمون أنهم لا يزالون شعب الله المختار، وأنهم أبناء الله وأحباؤه، ويستندون إلى ما جاء في التلمود المحرفة من استعلائهم على الجنس البشري، وأن الدنيا بما فيها ملك لهم، ويحق لهم التسلط على من عداهم بالتسخير والاسترقاق، وأن سائر الناس غيرهم حيوانات في صورة إنسان [3] .

وأما النصارى فإنهم لم يغالوا كغلو اليهود إلا أنهم تأثروا نتيجة الثقافة الرومانية وتنكس الكنيسة وتنكرها للمبادئ الأساسية لتعاليم المسيح - عليه السلام -؛ حيث اصطبغت الكنيسة بالفكر الروماني في تقسيم البشر إلى سادة وعبيد بحكم الأصل والخلقة، وصارت هذه النظرة نظرة دينية قامت على فكرة الخطيئة، وهي أن آدم وحواء أكلا من الشجرة التي نهيا عنها، وارتكبا بذلك خطيئة لا تغتفر، وبهذا فليس للإنسان بسبب ذلك كرامة ذاتية ما دام وارثًا لهذه الخطيئة، وليس يخلصه

(1) سفر التكوين (2: 7) نقلًا عن تسامح الغرب مع المسلمين، عبد اللطيف بن إبراهيم الحسين، دار ابن الجوزي، الدمام، ط1 (1419هـ) (113) .

(2) نقلًا عن (( الحوار الإسلامي المسيحي ) )، حسن صعب، المعهد العالي للدراسات الإسلامية، جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية، بيروت، (1411هـ) (1 - 4) .

(3) نظرات إسلامية في مشكلة التمييز العنصري، عمر الخطيب، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2 (1403هـ) ، فقد ساق نصوصًا كثيرة في هذا المجال، وينظر:"في ظلال القرآن"، سيد قطب، دار الشروق، القاهرة، ط12 (1406هـ) ، (2/ 679 - 683) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت