ج- وعامتهم) [1] .
أما أن يكون الرأي لمجرد التشهير بصاحبه، أو الإساءة إليه أو الانتقام منه، أو حمل الناس على التجرؤ عليه، فذلك ليس من الدين في شيء بل هو وقوع في أعراض الناس [2] .
د- يجب استمرار التماس الأعذار للمخالف فيها وهو مجال للاختلاف، لأن مسائل الاجتهاد في الشريعة مبنية على هذا الأصل العظيم، فصاحب الرأي أو المخالف لرأيه فردًا كان أو حزبًا كلاهما على اجتهاد وفي خير ما دام الأمر في دائرة المقبول المسموح به شرعًا، وعلى كل واحد منهما أن لا يعنف على الآخر [3] .
هـ- أن يبدي الإنسان رأيه وهو متخلق بأخلاق الإسلام وآدابه، فلا يستعمل الكلمات السيئة ولا يتعرض للآخرين ولا ينتقصهم، فالإنسان حر في إبداء رأيه ما لم تتحول حريته إلى فساد وإضرار، حتى تكون الحرية بناءة، وليترتب على تبليغها منافع عظيمة.
الحق في الحرية السياسية:
ويدخل فيها الشورى وبيعة ولي الأمر، وما يتعلق بالأمور السياسية، والأحزاب وما في حكمها، وقد تحدث علماء السياسة الشرعية في هذا الباب، وساقوا من الدلالات الشرعية بنصوص الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح ما يؤكد كفالة الإسلام لحق الحرية السياسية، وهي جزء من حرية إبداء الرأي السابقة، التي كفلها الإسلام لأتباعه [4] .
لكن هذه الحرية السياسية كغيرها من الحريات لا يمكن فهمها فهما صحيحًا في الإسلام إلا بربطها بمفهوم العبودية لله الذي هو الأصل، فهو سبحانه المشرع لعباده وهو الأعلم لما يصلحهم وينفعهم، فلا يمكن لأحد أن يأتي بشيء من أصول السياسة والحياة العامة، وفيه مخالفة صريحة لما أمر الله تعالى به، أو أمر به رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
فالقرآن تبيان لكل شيء من حيث إنه قد أحاط بجميع الأصول والقواعد التي لا بد منها في كل قانون ونظام، مثل وجوب العدل والشورى ورفع الحرج ورفع الضرر، ورعاية الحقوق لأصحابها وأداء الأمانات إلى أهلها، والرجوع بمهام الأمور إلى أهل الذكر والاختصاص، وما إلى ذلك من المبادئ العامة التي لا يستطيع أن يشذ عنها قانون يراد به صلاح الأمة، كما أحاط القرآن بما يحفظ مصالح أمور الدين والدنيا ومقاصدها، ويحقق للإنسان حياة كريمة محفوظة من عبث العابثين أو تلاعب المرجفين.
كما جاءت السنة موافقة لما جاء من أحكام القرآن ومبينة وموضحة له، أو موجبة لما سكت القرآن عنه وفيه مصلحة للبشرية، وهذا من رحمة الله تعالى بعباده [5] .
الحق في الحرية الاقتصادية:
جاء الإسلام بمذهب وسط في مجال الحرية الاقتصادية، فأعطى الإنسان مساحة يتحرك فيها ويمارس نشاطه الاقتصادي الذي يحقق له عبودية ربه وإعمار الأرض، فلم يعان الإنسان في ظله من مساوئ الانفلات الموجود في بعض الأنظمة الوضعية، أو الكبت والتقييد الموجود في أنظمة وضعية أخرى [6] .
فالحرية في النظام الإسلامي ليست مقصودة لذاتها، بل هي وسيلة لمساعدة الإنسان على تحقيق الهدف الذي خلق من أجله، فالوسيلة تعطى بقدر ما يحقق الهدف، ولهذا فهي مضبوطة بضوابط شرعية من أجل الوصول إلى تحقيق ذلك الهدف الأسمى لضمان جلب المصالح ودرء المفاسد للفرد والمجتمع في دينه ودنياه، لأن المسلم لا يفصل دنياه عن آخرته، وهذا ما يجعل تفكيره مؤثرًا في سلوكه لنفع نفسه ونفع الآخرين، فلا يقوم بالعمل الاقتصادي من أجل الكسب فقط، حتى لو أدى ذلك إلى الإضرار بالآخرين، لأن هذا مما يمنعه الإسلام.
وعلى هذا فالحرية الاقتصادية في الإسلام مضبوطة بعدد من القيود نذكر منها إجمالًا [7] :
أ- تطبيق أحكام الإسلام في الحلال والحرام، فيحرم إنتاج السلع والخدمات الخبيثة المضرة بالإنسان أو استهلاكها، مع وجوب المحافظة على
ب-
(1) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة، ح (55) .
(2) محمد فرحات، مرجع سابق (65) .
(3) نعمان الخطيب، موقف الفكر السياسي الإسلامي من الأحزاب السياسية، مجلة الإسلام اليوم، عدد إبريل 1986م، تصدر عن المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم ص15.
(4) ينظر الشورى وأثرها في الديمقراطية دراسة مقارنة، د. عبد الحميد الأنصاري، ط3، المكتبة العصرية، بيروت، 1400هـ، و (( حرية الفكر في الإسلام ) )، محمد الصادق عرجون، الأزهر، القاهرة 1375هـ، وينظر: (( حقوق الإنسان وحرياته الأساسية في النظام الإسلامي بالنظم المعاصرة ) )عبد الوهاب الشيشاني، مطابع الجمعية العلمية الملكية، عمان الأردن، (1400هـ) .
(5) السياسة الشرعية والفقه الإسلامي، عبد الرحمن تاج، دار التأليف، القاهرة، ط1 (1373هـ) ، وينظر: مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة الشرعية، د. محمد سعد اليوبي، دار الهجرة، الدمام، ط1، (1418هـ) .
(6) ينظر: (( مدخل للفكر الاقتصادي في الإسلام ) )، د. سعيد بن سعد مرطان، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1409هـ، و (( أصول الاقتصاد الإسلامي ) )د. رفيق يونس المصري، دار القلم، دمشق، ط2، 1413هـ.
(7) مستفاد من (( النظام الاقتصادي في الإسلام ) )د. عمر المرزوقي وآخرون، مكتبة الرشد، الرياض، ط2، 1427هـ (115 - 128) .