فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 579

لكن هذه النظرة في ظل الواقع المعاش، وظهور الدول الحديثة أصبحت مغرقة في التفاؤل، وبخاصة إذا قررنا أن الوطن الذي ينتسب إليه المواطنون ليس هو من يحدد لهم نوع الهوية التي ينتسبون إليها. فالوطن الواحد قد تتعاقب عليه نظم مختلفة بل ومتناقضة. فالروس كانوا مواطنين روسًا، حين كانوا ينتمون إلى الاتحاد السوفييتي، وحين كان نظامهم الاقتصادي اشتراكيًا، وكان نظام حكمهم دكتاتوريًا، وهم الآن مواطنون روس بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، وبعد حلول الرأسمالية محل الاشتراكية والديمقراطية محل الدكتاتورية [1] .

وقد جعل القرآن الكريم الإخراج من الوطن (الديار) مثل القتل سواء بسواء، يتضح ذلك من قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} [البقرة: 84] .. بل في القرآن الكريم الكثير من النصوص التي توجب القتال عند تعرض الإنسان للإخراج قسرًا من دياره وموطنه، من ذلك قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [البقرة: 246] ، وقال سبحانه: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة: 8 - 9] .

ولعل السبب في ذلك مع ما فيه من تفويت مصالح الحياة هو أن إقامة الدين لا تتأتى إلا في واقع ووطن ومكان وجغرافيا، ولذا يصبح الانتماء الوطني بعدًا من أبعاد الانتماء الإسلامي العام، فالوطن ضرورة لإقامة الدين، وبناء الحياة وتحقيق عمارة الأرض [2] .

أما الهوية فهي الانتساب الثقافي لهذا الوطن، وليس الانتساب الجغرافي، وهذا أهم فارق بينهما، إذ لا بد للمواطنين في أي بقعة جغرافية من انتساب ثقافي ينظرون به إلى واقعهم وحياتهم.

ولكن ماذا إذا كان المواطنون في البلد الواحد منقسمين إلى ثقافات، وهويات

(1) المواطنة والهوية، أ. د. جعفر شيخ إدريس، مجلة البيان، العدد 211، ربيع الأول، 1426هـ.

(2) معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام، محمد عمارة، دار نهضة مصر، القاهرة، ط3، (2006) ص (194 - 195) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت