مختلفة؟
هنالك عدة احتمالات [1] :
-أحسنها من حيث الاستقرار وعدم التنازع: هو أن تكون إحدى هوياتهم هذه هي الغالبة من حيث عدد المنتسبين إليها.
-وإذا لم تكن هناك هوية غالبة، فقد يكون المنتمون إلى إحدى الهويات أقوى من غيرهم، فيفرضون على البلد هويتهم، وينظمون أمره على أساسها كما هي الحال في الصين، ومن قبله الاتحاد السوفييتي.
-وإذا لم يحدث هذا ولا ذاك، وكانت الهويات والثقافات المتعددة متساوية في قوتها، فأمام مواطنيها خيارات:
-فإما أن يحلّوا نزاعهم بتقسيم وطنهم، كما حدث للهند حين خرجت منها باكستان، ثم خرجت بنجلاديش من باكستان [2] .
-وإما أن يبحثوا عن صيغة تعايش يرتضونها، رغم صعوبة وجود نظام محايد بين هويات مختلفة اختلافًا أساسيًا، إذ إن النظام الذي سيختارونه يعبر عن هوية معينة حتى لو كان علمانيًا بحتًا، ومن المستحيل عقلًا أن يوجد نظام توافقي يرتضيه الجميع.
فما الحل إذًا؟
الحل هو أن يجتمع المختلفون ويبدؤون بتقرير المبدأ الذي هم متفقون عليه: أنه من مصلحتهم جميعًا أن يبقوا في وطن واحد، ثم ينظرون إلى الكيفية التي يحققون بها هذا الهدف، من غير تقيّد سابق بديمقراطية أو علمانية أو أي أيديولوجية، وهذا ما حاول فعله واضعو الدستور الأمريكي، فبالرغم من أن الولايات المتحدة تعد اليوم مثالًا للديمقراطية عند كثير من المهتمين بهذا الشأن، إلا أن من وضع دستورها لم يكن ملتزمًا بتجربة ديمقراطية معينة ... فها هي مكونة من أجناس متعددة وديانات متباينة ولغات مختلفة وثقافات متناقضة، لكنها لم تصر أمة واحدة إلا حين صهرت هذه المكونات في إطار واحد، وأخرجت منها تجانسًا دستوريًا ليثبت هذا النموذج صورة معينة، وهي أن تعدد الهويات في الوطن الواحد قد يؤدي إلى تمزيقه ما لم يصهر في هوية موحدة، وفي المقابل: اتحاد الهويات في أوطان متعددة قد يؤدي إلى توسيع للحدود الوطنية، يضم بعض الأقطار إلى بعض بالتعاون الوثيق بينها مما يجعلها كالوطن الواحد، كما هو الحال في الاتحاد الأوربي الذي أكد واضع الدستور له اعتراضه على دخول تركيا للاتحاد حتى لا تؤثر على الهوية (المسيحية) للاتحاد، فهل يمكن أن يقول
(1) المواطنة والهوية، مقال د. جعفر شيخ إدريس، (مع تصرف واختصار) .
(2) وهذا بلا شك من فعل الاستعمار، وهو يسعى الآن إلى تمزيق باكستان.