أحد بعد ذلك، المواطنة في الغرب لا دعوى لها بالهوية؟ فتركيا هويتها مختلفة برغم كونها دولة علمانية [1] .
إن عالم اليوم مع ترابطه واعتماد أجزائه بعضها على بعض، لا يمكن أن يقبل بحال أن تفرد ثقافة معينة في صياغة هويته وتقصي الآخرين، لأن هذا يعني صياغة نظام يقصي الأنظمة الأخرى، ويدعو إلى الظلم والتهميش، وبالتالي إلى النزاع والحروب [2] .
بل الأدهى من ذلك من يأتي ليقترح أن العلمانية هي الحل لمشكلات الغرب مع العالم الإسلامي، مؤكدًا أن المواجهة مجرد خرافة ومحددًا أبعاد هذه الخرافة في مسح أجراه لأهم بؤر الصراع التي تجري فيها صراعات بين المسلمين وغيرهم، والتي تشكل دعمًا لنظرية العداء المتأصل ضد المسلمين عند من يقول بها، فما كان منه إلا أن اقترح العلمانية لتصبح هوية ثقافية تستبعد الدين، وتعمل العقل في الحياة الاجتماعية والقانونية مؤكدًا: ليست القضية المركزية إيجاد تأويل للتفكير الإسلامي أكثر ليبرالية أو توافقًا، بل هي إبعاد المناقشة حول الحقوق عن دعاوى الدين نفسه [3] .
ثالثًا: الوطن والمواطنة بين الإسلام والنظريات الغربية:
وبناء على ما سبق يمكن الحديث عن المواطنة في الإسلام وفي النظريات الغربية الحديثة، حيث قررنا أن الإسلام يقر الوطن ويؤكد عليه، بل يجعل العودة إليه مطلبًا إّذا قضى الإنسان نهمه من سفره، يقول - صلى الله عليه وسلم: (السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإذا قضى نهمته فليعجل إلى أهله) [4] .
فإذا كان هذا في السفر أنه يمنع الإنسان من الإتيان بالطاعات على وجه الكمال، أو ينقص من حاجاته الحياتية فكيف تكون الحال إذا أُخرج الإنسان من
(1) ينظر لقاء مع د. جعفر شيخ إدريس، موقع إسلام أون لاين، أجراه: مصطفى عاشور
وينظر: (( حوار الدين والدولة ) )برهان غليون، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1 (1996م) .
(2) ينظر: (( حوار الحضارات .. نظرات وخطرات ) )الأمير الحسن بن طلال، ورقة بحث مقدمة لمؤتمر المشاهير بدبلن، إيرلندا، 30 - 30 مايو / 2001م، وهي على موقع منتدى الفكر العربي.
(3) الإسلام وخرافة المواجهة، فريد هاليداي، مكتبة مدبولي، القاهرة ط1 (1997م) ترجمة: محمد مستجير، وهذا الكتاب يطرح رؤية مناقضة لهنتنجتون مع اتفاقهما، ونظرية فوكوياما على أن العلمانية هي التي يمكن أن يتعامل بها الغرب في العالم الإسلامي، لتكون هوية مكان الإسلام، وأن استبعاد الدين عن الحياة هو الذي يحقق السلم الاجتماعي ويمنع الصدام.
(4) رواه البخاري، كتاب الحج، باب السفر قطعة من العذاب، ح (1710) ، ومواضع أخرى، ورواه مسلم، كتاب الإمارة، باب السفر قطعة من العذاب واستحباب تعجيل المسافر إلى أهله بعد قضاء شغله، ح (1927) ، وفي لفظ: (إذا قضى أحدكم حجه) ، فإذا كان هذا في الحج وهو سفر عبادة فكيف بغيره؟.