وطنه قهرًا وغصبًا!! فقد قال - صلى الله عليه وسلم - وهو واقف بالحَزْوَرَةَ في سوق مكة: (والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله - عز وجل -، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت ... ) [1] .
ويقسم الفقهاء رحمهم الله الدار (الإقليم) إلى قسمين:
1 -دار الإسلام: وهي كل بقعة تكون فيها أحكام الإسلام ظاهرة، وهي التي رتب عليها الفقهاء أكثر الأحكام المتعلقة بالوطن أو الدار.
2 -دار الكفر: وهي التي تكون أحكام الكفر فيها ظاهرة، ويغلب عليها حكم الكفر، وهي إما دار حرب لا تجمعها مع المسلمين أي عهود ومواثيق، بل بينهما نزاع وحرب قائمة، وتعدٍ على بلاد المسلمين وممتلكاتهم، وإما دار عهد وهي الدار التي ترتبط مع دار الإسلام بعهود ومواثيق مع تفصيلات ذكرها الفقهاء رحمهم الله في كتبهم [2] .
والحديث عن تقسيم العلماء الدار إلى دار إسلام ودار كفر يسوقنا للحديث عن حكم المواطنة في غير ديار الإسلام، وهذه القضية من أكثر القضايا التي اختلف فيها العلماء على نحو يبدو فيه التعارض بين من يرى أن المواطنة في غير ديار الإسلام كفر صراح وردة عن دين الله تعالى، أو هي السبيل إليه، ومنهم من يرى أنها فسق وفجور وجرأة على المعاصي وانسياق وراء الهوى، وهناك من يرى كراهيتها، ومن يراها جائزة، وهناك من يفصل في الحكم بين الوجوب والتحريم [3] .
ولأن بحثنا هذا لا يتسع لبسط القول في هذه المسألة الفقهية، فقد اختار الباحث أن يرجح القول الأقرب إلى بحثه، وهو:
1 -أن من كان مسلمًا في أرض إسلامية وخرج من بلاد المسلمين إلى بلاد الكفار لغير حاجة، وإنما لأنه لا يطيق العيش مع المسلمين بسبب تطبيق أحكام الدين وانتشار الإسلام، ورغب في معاونتهم، فهو خارج عن الملة.
2 -من كان من أبناء المسلمين لكنه أخرج من أرضه ولم يستطع البقاء فيها،
(1) أخرجه الإمام أحمد في المسند من حديث عبد الله بن عدي بن الحمراء الزهري، ح (1871) ، وقال المحقق: إسناده صحيح، ينظر: (مسند الإمام أحمد) ، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، (1429) بإشراف: د. عبد الله التركي. وأخرجه الترمذي في الجامع، كتاب المناقب، باب في فضل مكة، ح (3925) ، وقال: حديث حسن غريب صحيح، ورواه ابن ماجه، كتاب المناسك، باب فضل مكة، ح (3108) ، وصححه الألباني في تعليقه عليهما.
(2) الأحكام السلطانية، أبو يعلى الحنبلي، دار الكتب العلمية، بيروت، (1403هـ) ، تعليق: محمد حامد الفقي.
(3) المواطنة في غير ديار الإسلام بين النافين والمثبتين، د. صلاح الدين سلطان، دار ابن حزم، بيروت، ط1، 1429هـ، وينظر: (( نحو فقه جديد للأقليات ) )جمال الدين عطية، دار السلام، مصر، ط1 (2007م) (80 - 86) .