المؤمنين في كل عصر ومصر بكل ما تحمله كلمة الأخوة من سلامة صدر ونقاء سريرة، وما يتبعه بالضرورة من محبة وانسجام ورحمة ووئام، وما يقتضيه من إغاثة عند العوز، وإعانة عند الحاجة وتفريج همّ عند الضرورة ... فهذه الأخوة منّة ينعم الله بها على عباده الصالحين، فتتألف قلوبهم وتتوثق روابطهم، كما أنعم على الجيل الأول والرهط المبارك من الصحابة - رضي الله عنهم: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال: 63] ، فارتفع صرح الجماعة الإسلامية عاليًا متينًا بهذه الأخوة، واستعصى على محاولات الهدم والتخريب [1] .
وقد جاء تأصيل هذه الأخوة في القرآن الكريم والسنة النبوية القولية والعملية لتأكيد أحد أهم أنواع الأخوة [2] ، وهي الأخوة الإيمانية، أخوة الدين والمتابعة التي قال الله تعالى عنها: {فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103] ، وفي قوله: {} إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 10] ، وجاء التصريح بها في قوله تعالى: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 5] .
فالأخوة الإيمانية تشمل كل فئات المجتمع، فليس هناك فئة من الناس أعلى من تؤاخي الآخرين، ولا فئة أهون من أن يؤاخيها الآخرون، فلا يجوز أن يكون المال أو المنصب أو النسب أو أي وضع آخر سببًا لاستعلاء المسلم على أخيه.
فالحاكم أخو المحكوم، والراعي أخو الرعية، فقد قال - صلى الله عليه وسلم: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم ... ) [3] . الحديث.
والسيد أخ لعبده (خادمه) ، وإن أوجبت ظروف خاصة أن يكون تحت يده؛ ففي الحديث: (إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم) [4] .
(1) الأخوة في الله، مقال: حسن عبد الحميد، شبكة المشكاة الإسلامية: ... www. meshkat. net/new.
(2) قسم بعضهم الأخوة إلى خمسة أنواع، ولكل نوع دليله، وبعضها مثار خلاف، مثل: (( الأخوة الإنسانية ) )، وهذا ليس مجال بحثنا. ينظر: (( مجموع فتاوى ومقالات ابن باز ) )جمع: د. محمد الشويعر، طبع الرئاسة العامة للإفتاء، الرياض (6/ 493) .
(3) رواه مسلم، كتاب الإمارة، باب خيار الأئمة وشرارهم، ح (1855) .
(4) رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك، ح (30) ، ورواه مسلم، كتاب الإيمان، باب إطعام المملوك مما يأكل وإلباسه مما يلبس ولا يكلفه ما يغلبه، ح (1661) ، واللفظ للبخاري، وقوله: خولكم، أي خدمكم.