4 -علاقة المداهنة بحوار الحضارات:
جاءت النصوص الشرعية آمرة المؤمنين بالصدع بالحق وعدم كتمانه، وتحذيرهم من الوقوع في المحذور الذي وقع فيه بنو إسرائيل: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران: 187] ، فالمداهنة ليست من شيم المسلم ولا سمته، قال تعالى: {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [المائدة: 49] .
فالمشاركة في الحوار مع غير المسلمين قد تدفع بعض المسلمين إلى المداهنة والسكوت عن الحق وعدم بيانه، أو المشاركة في الباطل والرضا به، أو تسمية ما هم عليه من الباطل بأسماء إسلامية، كتسمية معابدهم وكنائسهم بالمساجد، وهي بيع يكفر فيها بالله، فالبيوت بمنزلة أهلها، وأهلها كفار، فهي بيوت عبادة الكفار [1] .
لكن ليس معنى ذلك أن يكون المسلم غليظًا، بل عليه أن يسلك الرفق واللين، بل المداراة أحيانًا من فضائل المعاملة مع المخالف، وفرق بين المداراة والمداهنة إذ المداراة بذل الدنيا لصلاح الدين أو الدنيا، وقد فعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أساطين الكفر وصناديد الشرك، حيث كان يبسط لهم الوجه عند اللقاء، ويحسن الكلام معهم، ويختار أفضل العبارات في مناداتهم، كل هذا لكسب ودهم، واستمالة قلوبهم إلى الإسلام [2] .
(1) مجموع فتاوي ابن تيمية (22/ 162) .
(2) ينظر (المداراة في الإسلام: دراسة تأصيلية) د. وليد محمد السعد، صفحة خاصة بالدكتور على موقع جامعة الملك سعود.