فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 579

تسامحًا يدعو إليه الإسلام، كما صرح شمعون بيريز (رئيس وزراء إسرائيل السابق) بقوله أمام الصحفيين: (( إن القرآن الكريم يشجع التسامح والتعددية والسلام ) ) [1] ، وقبله أطلق الرئيس الأمريكي الأسبق (بيل كلينتون) دعوة شبيهة بقوله: (( مادام اليهود يقتلون لمجرد أنهم يهود، أو لأنهم مواطنو إسرائيل، فإن بلاء معاداة السامية مازال حيًا يرزق .. ، وإن ما نعيشه اليوم هو بداية السلام الموعود، هذا اليوم الذي يعيش فيه أحفاد إبراهيم وأحفاد إسحاق وأحفاد إسرائيل جنبًا إلى جنب في سلام ووئام ... ) ) [2] .

وهذا الكلام يتضمن حقًا، لكنه يحمل في طياته الباطل؛ فالأنبياء والمرسلون اجتمعوا على أصل الدين وهو توحيد العبادة لله، والإسلام يدعو إلى التسامح والسلام، وهو دين الرحمة والعدل؛ كل هذا حق، لكنه جاء في سبيل تبرير دعوة إقصاء الولاء والبراء من نفوس المسلمين.

إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يعترف بحق اليهود والنصارى في الحياة وكرامة العيش والحماية، وتوفير الأمن والعدل والسلام، بينما لا تعترف هذه الأديان المحرفة بأي حق لأحد سواها: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [البقرة: 113] .

فدعوى التسامح التي ينادون بها ليست هي ما قرره الإسلام، بل إنها دعوى تهدف إلى وحدة الأديان، وإبطال الولاء والبراء الشرعيين.

إن المفاصلة بين المسلمين وغيرهم لا تعني إلغاء المصالح وعدم الاعتداد بها في بناء العلاقات مع الآخرين، وإنما يجب التمييز دائمًا بين المصالح والمبادئ، فنحن -المسلمين -قد نقيم علاقات مع غيرنا على أساس المصالح، وهذا المبدأ يعطي المسلم - والأمة المسلمة - مجالًا واسعًا لحرية المناورة وتقدير الظروف والواقع والبيئة، وبناء العلاقات مع الآخرين من خلال تأمين أكبر قدر ممكن من المصالح العامة مقابل مصالح أخرى قد يستفيد منها الطرف الآخر، أما المحذور والخطر أن تبنى العلاقات مع الغير على أساس مقولة (مصالح بمبادئ) ، بمعنى أن نسعى لتأمين بعض المصالح من الآخرين مقابل أن نتخلى

(1) جريدة القدس العربي، عدد (1714) في 12/ 7/1415هـ، وهي موجودة على موقع الجريدة على الشبكة.

(2) مقال (( خطاب الرئيس ) )بقلم: أحمد منصور، مجلة المجتمع، عدد (1126) في 19/ 6/1415هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت