تحكمه.
كل الدول الحديثة دون استثناء، وحتى الدول المعترف لها بالحياد كسويسرا تبذل جزءًا كبيرًا من ميزانيتها، ونصيبًا أعظم من جهودها في تصنيع وسائل الموت والتدمير أو حيازتها، وفي التدريب على القتل والإفناء.
والمصلحة الأنانية للدولة سواء كانت مصلحة حقيقية أم زائفة هي مع القوة مما يشكل الدافع الرئيس للحرب، ولا يمنع الدولة الحديثة من شن الحرب على دولة أخرى أن تكون هذه الأخيرة مسالمة للأولى، أو عاجزة عن تهديدها، وفي الممارسة العملية للحرب لا تلتزم الدولة المحاربة بأي قانون أو خلق، ولا تشكل الضرورة الحربية تحديدًا لسلوكها الحربي.
بخلاف ذلك فإن الجهاد الحقيق بهذا الاسم والذي هو ذروة سنام الإسلام، والذي هو فرض عين أو فرض كفاية - حسب الأحوال - على المسلم القادر عليه - والذي وعد المشترك فيه بالنصر أو الشهادة، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111] الجهاد الموصوف بما سبق هو ما تحكمه ثلاثة مبادئ أساسية تضمها مجتمعة الآية الكريمة {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190] .
المبدأ الأول: الدافع الأخلاقي والغاية النبيلة بأن يكون القتال في سبيل الله لا لمصلحة نفسية أو دافع الحقد أو البغضاء.
المبدأ الثاني: أن يكون قتال المسلمين ضد من يقاتلهم، أما المسالم فلا يقاتل.
المبدأ الثالث: عدم تجاوز ضرورات الحرب، بل عليه الالتزام بالأخلاق العظيمة التي تمنع التجاوز وبناء على ما سبق فإنه بمقارنة الحروب المعاصرة بالجهاد الإسلامي، فإنه من الصعب أن نجد منها ما يماثل الجهاد في نبل الدافع والغاية وتحكيم قواعد العدل ورعاية الاعتبارات الإنسانية [1] .
وهنا نطرح سؤالًا يطرحه الآخرون في كل صعيد! هل انتشر الإسلام
(1) (التسامح والعدوانية بين الإسلام والغرب) صالح بن عبد الرحمن الحصين، طبع كرسي الأمير سلطان للدراسات الإسلامية المعاصرة، جامعة الملك سعود، الرياض، ط1 (1429هـ) [167 - 173] بتصرف. وينظر: (( تعليق على التعصب الأوربي أم التعصب الإسلامي ) )تعليق: محمد العبدة، دار طيبة، الرياض، ط1 (1416هـ) .