فهرس الكتاب

الصفحة 212 من 579

إن الحوار الحضاري لا يعارض القوة ولا يناقضها، وليس أحدهما خصمًا للآخر، بل إن الحوار وحتى يكون مظنة النجاح يجب أن يكون قويًا مستندًا إلى قوة تحميه وتحمله إلى الآخرين، وهذه القوة هي القوة الإيمانية وقوة البصيرة والوحدة، وقوة الساعد والسلاح ... هذه المعاني جميعها كانت بارزة في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي منهجه الدعوي والتربوي، حيث بدأ مع قريش في تبليغ دعوته وواجه صنوف الأذى ولم يستطع نصرة أصحابه وأتباعه لضعفه، لكن لما هيأ الله له دولة قوية تحميه، استطاع أن يكون القوي في صف الحوار، وفرض رأيه، وإيصال ما يريده إلى الآخرين.

وكان منهجه - صلى الله عليه وسلم - يتمثل في الدعوة والحوار الذي تدعمه القوة، وبهذا المنهج فتح الله القلوب لهذا الدين قبل أن يفتح للمسلمين الأرض، ففي يوم خيبر يوصي النبي - صلى الله عليه وسلم - عليًا - رضي الله عنه - وهو القائد - فيقول له علي - رضي الله عنه: أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فو الله لئن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم ) ) [1] .

ولابد من بيان مفهوم الجهاد الإسلامي من مصادر الشريعة وأقوال أهل العلم المعتبرين، وليس من تصرفات الأفراد أو تهور المتهورين الذين يقتلون أبناء المسلمين في ديار الإسلام أو يقتلون أهل الذمة والعهد والأمان بدعوى الجهاد، وهذا ليس بجهاد، بل هو أضر بصورة الجهاد وحقيقته، وليس من العيب أن نصرح ببراءة الدين من هذا الكلام، وأن أهل هذه الأفعال لا يمثلون الصورة الحق من الجهاد ولا يطبقون قواعده لنكون في بيان مفهوم الجهاد منطلقين من أصول الدين لا أفعال العابثين.

(1) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، ح (4210) ، ورواه مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، ح (2406) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت