فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 579

أن لفظة التبشير من صفات النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الفتح: 8] ، وهكذا من سار على دينه فهو المبشر حقًا، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ وأبي موسى عندما بعثهما إلى اليمن: (بشرا ولا تنفرا) [1] ، فالتبشير هو اسم الدعوة إلى الإسلام، وليس الدعوة إلى النصرانية بحال، لأن الذين يبشرون بالخيرات وبالسلام هم حملة هذا الدين، أما النصارى الذين يزعمون أنهم دعاة سلام فهم أهل الوحشية باسم السلام، ويمارسون ألوان الحرب باسم التبشير [2] .

ويرى بعضهم خلاف ذلك، لأن الترجمة للكلمة المذكورة هي (التبشير) ، ولأن كلمة التبشير قد ترد للأمر الحسن الطيب، وقد ترد للأمر السيئ والشر، كما في قوله تعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21] ، وقوله تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [النحل: 58 - 59] ، فالعبرة بمضمون البشارة وليس بظلال المصطلح [3] . لكن الحق هو الالتزام باللفظ الشرعي وهو (التنصير) ، لأنه نسبة إلى دينهم النصراني، وهذا هو الأسلم.

ولما كان الإسلام قد أثبت صدق دعواه بأنه الدين الحق الخاتم، وقدرته على قيادة الإنسانية باختلاف أجناسها وشعوبها وتطلعاتها وآمالها، وذلك بما أنجزه في حيز التطبيق العملي، إذ جمع في قرن ونصف تحت رايته أكثر من ثلثي المعمورة، سوّى بينهم وصهرهم في بوتقة ألّفت أزهى عصور التاريخ: حضارة وعلمًا وأخلاقًا. فإن تلك القدرة الهائلة للإسلام قد أذهلت أهل الكتاب الذين قعدت بهم دياناتهم عن تبوئ تلك المنزلة أو ما يدانيها مما جعلهم يدركون خسارتهم بسبب فقدهم قيادة الإنسانية - دينيًا - مما جعلهم يواجهون الإسلام إما عسكريًا عبر حروب مدمرة، أو عبر حرب العقيدة والفكر التي تسعى للنيل من الإسلام وزعزعة عقيدة المسلمين: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ

(1) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع، ح (4344) ، ورواه مسلم، كتاب الجهاد، باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير، ح (1732) .

(2) وسائل المنصرين، محاضرة د. سلمان العودة، مفرغة في موقع الإسلام اليوم.

(3) (( الغارة التنصيرية على أصالة القرآن ) )د. عبد الراضي محمد عبد المحسن، بحث مقدم لندوة العناية بالقرآن الكريم وعلومه - المدينة المنورة في الفترة من 3 - 6/ 7/1421هـ، وهو موجود على موقع شبكة الدعوة الإسلامية. وينظر: (( النصرانية والتنصير أم المسيحية والتبشير: دراسة مقارنة حول المصطلحات والدلالات ) )محمد عثمان صالح، مكتبة ابن القيم، المدينة المنورة، ط1 (1410هـ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت