كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [البقرة: 109] [1] .
وقد أضافت حقبة الاستعمار مجالات جديدة من العداوة، إذ فقد النصارى الأمل في السيطرة على المسلمين مما جعلهم يفكرون في طريقة أخرى للاستعمار، فما كان منهم إلا أن بدؤوا بإرسال البعثات التنصيرية إلى بلاد المسلمين، وأسسوا إرسالياتهم بهدف تحويل المسلمين إلى النصرانية [2] .
بل إن التنصير شريك الاستعمار، وهذا ما جعل الأفارقة يقولون التعبير الشائع عندهم (( إن بندقية الجندي الأوربي كانت تختفي تحت عباءة القسيس ) )، مما يدل على أن التنصير قد مهد للغزو الاستعماري في البلاد الإسلامية وفي إفريقيا على وجه الخصوص، ثم اعتمد على مؤسساته في الانتشار [3] .
فإن حقق التنصير هدفه في إدخال المدعوين إلى النصرانية، وإلا فإن من أهدافهم جلب العلمانية إلى بلاد المسلمين، والترويح لها وإخراج أبناء المسلمين من دينهم وجعلهم يعيشون بلا هوية مع نزع الدين من نفوسهم [4] .
كما أن من أهدافهم الحيلولة دون دخول النصارى أو الأمم الأخرى -غير النصرانية- في الإسلام، مع السيطرة الغربية على الأمم وبث سمومهم وأفكارهم وتغريبهم للمجتمعات، وفرض النصرانية بالقوة والسياسة ومساندة الحكومات مستغلين فقر شعوب العالم وضعف قوتهم وتخاذل بعض حكوماتهم.
وقد استغل المنصرون كل وسيلة ممكنة لنشر دينهم، والصد عن سبيل الله، وترويج الاعتقادات الباطلة المحرفة عندهم؛ وسنذكر هنا بعض هذه الوسائل بإيجاز [5] :
1 -استغلال الهيئات العالمية والمنافذ السياسية والمنظمات الدولية مع دراسة أحوال العالم الإسلامي وأوضاعه الداخلية والتمكين لرؤوس الفساد في هذه الأوطان ممن يفتحون لهم المجالات، ويسهلون لهم الطرق، وينفذون توجهاتهم في المطالبة بالحريات الدينية والسياسية والفكرية، وهدفهم من هذه المطالبة نشر أفكارهم وبث سمومهم وهدم قيم الإسلام.
2 -البعثات الدبلوماسية (( السفارات وما في حكمها ) )التي تقوم بأعمال كثيرة تغطيها بالجانب السياسي، مثل فتح المدارس التنصيرية، وإقامة المنتديات وطبع الكتب واللقاء بعدد من الشخصيات الثقافية والمؤثرة في هذه المجتمعات، وشراء الذمم بسحب بعض هذه الرموز لتصبح يدًا مساندة لهؤلاء.
3 -بناء أكبر عدد من الكنائس في العالم، والاهتمام بمظهرها لتؤثر في عقول من يشاهدها، ولتكون عنصر جذب للآخرين، مع إقامة المناسبات الدينية والحفلات ودعوة الناس لها.
4 -التركيز على المرأة المسلمة وإجراء الدراسات والأبحاث حول كيفية التأثير عليها ومحاولة مسخ شخصيتها، وفك ارتباطها بدينها وقيمها، وهم يعلمون أن تأثيرها على المجتمع أكبر، فهي الأم المعلمة الأولى في الأسرة.
5 -استغلال الظروف الصعبة التي تعيشها الأوطان الفقيرة، فيدخل التنصير باسم التطبيب أو الإغاثة أو معالجة الفقر أو التدريب المهني، وإنشاء مراكز التدريب التي تستقطب الشباب الراغبين في العمل والحصول على حرفة.
6 -التعليم بكل وسائله وأساليبه، ويشمل ذلك إقامة المدارس التنصيرية - كما سبق - أو التدخل المباشر في المدارس الحكومية وتفريغ مناهجها من مضامينها الإسلامية، أو استغلال هذه الوسيلة من خلال إيجاد فرص الابتعاث لأبناء المسلمين الذين تعذرت عليهم مواصلة دراستهم في بلدانهم، ومن ثم محاولة تنصيرهم في البلاد التي تم ابتعاثهم إليها.
7 -الإعلام بكل وسائله - المطبوعات والبث المباشر وشبكة الانترنت [6] -وهذه الوسيلة من أقوى الوسائل المعاصرة وأكثرها تأثيرًا، بل إن بث الإذاعات التنصيرية أصبح يلتقط في عدد من دول العالم بكل يسر، ويتم التواصل مع المستمعين الذين يتأثرون بشكل واضح مع هذه الإذاعات من خلال المشاركة في البرامج والمراسلات [7] .
8 -الدعم المالي الكبير الذي يلقاه المنصرون من الحكومات والهيئات والمؤسسات العالمية النصرانية، وذلك بفتح المؤسسات والجمعيات
(1) (( الغارة التنصيرية ) )د. عبد الراضي المحسن، بحث سابق (8 - 12) بتصرف.
(2) صراع الغرب مع الإسلام، آصف حسين، ترجمة د. مازن بن صلاح مطبقاني، مطبوعات الندوة العالمية للشباب الإسلامي، مكتبة المدينة المنورة، ط1 (1420هـ) ص105.
(3) الإسلام وحوار الحضارات، كامل الشريف، بحث سابق (12) .
(4) المرجع السابق (12 - 13) ، وينظر: التنصير، د. النملة، مرجع سابق (55 - 59) .
(5) ينظر: (( الزحف إلى مكة: حقائق ووثائق عن مؤامرة التنصير في العالم الإسلامي ) )عبد الودود شلبي، الزهراء للإعلام العربي، القاهرة، ط1 (1409هـ) وينظر: (( حقائق ووثائق: دراسة ميدانية عن الحركات التنصيرية في العالم الإسلامي ) )، عبد الودود شلبي، الدار السعودية للنشر، جدة، (1409هـ) . وينظر: (( التبشير والاستعمار ) )مصطفى الخالدي وعمر فروخ، مرجع سابق، وينظر: (( التنصير ) )د. النملة، مرجع سابق، وينظر: التنصير، د: الصالح، مرجع سابق، وقد أجريت حلقات متلفزة عن التنصير في إفريقيا بصحبة د. عبد الرحمن السميط بعنوان: (القارة المنسية) ، وهي موجودة على موقع اليوتيوب.
(6) الفضائيات العربية التنصيرية، تركي بن خالد الظفيري، مطبوعات مجلة البيان، ط1 (1428هـ) .
(7) (( الإذاعات الدينية ) )فهد عبد العزيز السنيدي، دار الوطن، الرياض، ط1 (1424هـ) ، وينظر: دراسة لواقع بعض القنوات العربية التي تدعم التنصير ببرامجها، وهي مملوكة لبعض تجار الخليج، الدراسة ضمن (( الفضائيات العربية ) )تركي الظفيري، مرجع سابق [46 - 60] .