فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 579

مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [هود: 118 - 119] .

وإذا تعود النشء أن الاعتراف بهذا الأمر واختلاف طبيعته هو من أهم أسس الحوار، نأتي لنؤكد له أن هذا الاعتراف لا يعني بحال التسليم بمبادئه ومواقفه وآرائه، فيكون الطرف الآخر نسخة مكررة من المقابل له!.

وعندئذ يلتزم المسلم في حواره القول الحسن: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83] ، ويتجنب أسلوب التحدي والتعسف في الحديث أو إيقاع الخصم في الإحراج لذات الإحراج - إذ الإحراج لا يعني الإقناع - فالحرص على القلوب واستلال السخائم أهم وأولى عند المنصف العاقل من استكثار الأعداء واستكفاء الإناء.

كما أن على المحاور أن يلتزم القول الحسن بعدم رفع الصوت - أكثر من الحاجة - وانتفاخ الأوداج لأن هذا لا يقوي حجة ولا يجلب دليلًا ولا يقيم برهانًا.

وعلى المحاور أن يختار من الألفاظ أحسنها وأفضلها - بما يوافق الشرع - فالكلمات الجافة والقاسية توصد أبواب الاستجابة وتغلق طريق الحوار، ولعل هذا من معاني قوله تعالى في حق نبيه - صلى الله عليه وسلم: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] .

2 -خلق الله لك لسانًا واحدًا وأذنين، وفي ذلك دلالة عظيمة على أهمية وخطورة الاستماع، بل لقد قدم الله السمع على غيره من الحواس في قوله تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36] ، وهذا يدعونا أن نؤكد على حسن الاستماع وأهميته حال الحوار، بخاصة الاستماع الذي يدفع إلى تفهم الآخر لضبط كلامه وإيجاد الرد الصحيح عليه المبني على أسس شرعية.

فينبغي أن يستقر في ذهن المحاور ألا يستأثر بالكلام، ويستطيل الحديث، ويسترسل بما يخرج به عن حدود اللباقة والأدب والذوق الرفيع، فالثرثرة لها ضجيج يذهب معه الرشد، والمرء حين يريد أن يستجمع أفكاره ويراجع أعماله يجنح إلى الصمت، بل إنه حين يريد أن يبصر نفسه ويرتب ذهنه، يفر من البيئة الصاخبة إلى ريف صامت أو ضاحية هادئة، فلا جرم أن الإسلام يوصي بالصمت، ويعده وسيلة ناجحة من وسائل التربية المهذبة، فاللسان السائب حبل مُرخَى في يد الشيطان يصرف صاحبه كيف شاء [1] .

ويمكن أن يحدد المتحاوران وقتًا معينًا للحوار، فيأخذ كل فرد نصيبه في الكلام حسب المتفق عليه ليكون السامع في راحة واطمئنان لوقته، فيركز على

(1) (( خلق المسلم ) )محمد الغزالي، نهضة مصر، القاهرة، ط14 (2007م) ص (42) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت