فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 579

وطبيعة المجتمع إلى غيرها من المؤثرات ومن أعظم محركات الثقافة (الدين) فهو العنصر الأهم في مكونات ثقافة الأفراد والمجتمعات، ولقد قام التدين عند الأفراد بدور كبير في سلوكياتهم في الحياة، وخير مثال على ذلك الرسل وهم قدوة البشر: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90] ، فمتى كان التدين صحيحًا كان السلوك قويمًا سليمًا بإذن الله والقرآن الكريم والسنة السنوية تزخران بنماذج عديدة تعرض صورًا لالتزام الفرد بالدين وكيف يؤدي ذلك إلى تغير سلوكه وتعامله مع من حوله بإيمان وثبات وصبر على ما يلقاه في سبيل دينه الذي اعتنقه.

بل إن التدين يغير سلوك الإنسان الاعتيادي الذي ولد وشب عليه، إذا كان تدينه عن ثبات وقوة، فهاهم العرب الذين أمضوا جل حياتهم في شرب الخمر (وهو سلوك) يتحولون إلى رفضه حال تحريمه، يقول أحدهم - واصفًا رسوخ هذا السلوك لدى عامة الناس وتعلقهم به - (( حرمت الخمر ولم يكن يومئذ للعرب عيش أحب منها، وما حرم عليهم شيء أشد من الخمر ) ) [1] ، ولكن عندما جاء الأمر من الله بتحريمها تركوها جميعًا حتى سالت شوارع المدينة منها، وهذا يعكس درجة التدين التي تمتع بها القوم، حيث جاء الأمر فكان التنفيذ والطاعة المباشرة دون تردد أو تباطؤ ... قال أنس - رضي الله عنه: (( كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة وكان خمرهم يومئذ الفضيخ، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مناديًا ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت، قال: فقال لي أبو طلحة أخرج فأهرقها فخرجت فهرقتها، فجرت في سكك المدينة ) ) [2] .

ولقد ثبت من خلال دراسات متكررة في أوساط مختلفة أن التدين سبب رئيس لقلة الجريمة وضبط السلوك، والمحافظة على شخصية الإنسان من الانسياق وراء المغريات، وهذا ما يؤكد أثر الثقافة على سلوك الفرد [3] .

بل إن التدين الإسلامي كان سببًا واضحًا في تغير سلوك بعض المساجين في سجون الولايات المتحدة الأمريكية حتى عينت الشرطة الفيدرالية مندوبًا خاصًا بالدعوة في بعض سجونها، وقد أكد المندوب تغير أوضاع كثير من المساجين وتحول سلوكهم العدواني إلى سلوك هادئ متزن، بل إن بعضهم اعتنق الإسلام داخل السجون وأصبح عضوًا فاعلًا في المجتمع بعد خروجه، وهذا يثبت الدور الكبير الذي يحدثه التدين في سلوك الأفراد [4] .

(1) ذكره السيوطي مبهمًا عن قوم، وعزاه إلى ابن المنذر (5/ 458) ، وعزاه في موضع آخر إلى قتادة عن ابن جرير وابن المنذر (5/ 467) . ينظر: الدر المنثور في التفسير بالمأثور، جلال الدين السيوطي، تحقيق د. عبد الله التركي، دار هجر، القاهرة، ط1 (1423هـ) .

(2) رواه البخاري، كتاب المظالم باب صب الخمر في الطريق، ح (2464) .

(3) (التدين علاج الجريمة) د. صلاح إبراهيم الصنيع، مكتبة الرشد، الرياض، ط2 (1419هـ) [33 - 38] .

(4) هو الشيخ يوسف استبس مندوب الشؤون الدينية بالسجون الأمريكية وله موقع خاص www. islamtomorrow. com وقد أجريت معه مقابلة مطولة ضمن برنامج (صفحات من حياتي) ، بثت بتاريخ 13/ 6/1427هـ، قناة المجد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت