تلقاها في حياته [1] .
وبناء على هذا التراكم المعرفي (الثقافي) يتكون السلوك الفردي الذي يعتبر محصلة لتطور الإنسان الفكري والاجتماعي، ويعكس بشكل واضح تعامله مع المحيط به من أفراد أو مقومات حياة، كما قال - صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج البهيمة، هل ترى فيها جدعاء) [2] .
والحال كذلك فإن السلوك هو مُنتَج الثقافة ومحدد اتجاه الحركة، وهو مختلف حسب أطواره، ويتداخل في تكوينه الدين والفلسفة والمحيط وكل أشكال الثقافة الأخرى وممارساتها، وعملية تطور هذا السلوك مترابطة جدليًا مع القيم (الثقافة) فالبيئة الاجتماعية هي بشكل ما تمثل الثقافة المعاشة، وتتطور عندما تبرز ممارسات سلوكية قيمية (ثقافية) جديدة يتم اصطفاؤها من خلال ثقافة مختارة.
ولا أدل على ذلك من مجتمع العرب قبل الرسالة كيف كان سلوكه ثم بعد النبوة كيف أصبح، فالأقوام الذين كانوا يعيشون جاهلية كبيرة، ويتقاتلون على أتفه الأسباب، ويعبدون الحجارة، تحولوا إلى صناع للحياة، عظماء في الدنيا بفضل الله تعالى ثم بالقيم الثقافية العظيمة التي سلكوها: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2] .
وقد أيقنت الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق رضي الله عنها أن جانب السلوك هو المؤثر الأكبر على المتلقي وهو الصورة الحقيقية للثقافة التي يتبناها الإنسان، وذلك حين سئلت عن خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: (كان خلقه القرآن) [3] ، والمعنى: (( العمل به، والوقوف عند حدوده، والتأدب بآدابه، والاعتبار بأمثاله وقصصه، وتدبره، وحسن تلاوته ) ) [4] .
فالسلوك إذًا تطبيق تام لما يتلقاه الإنسان من ثقافة محيطة به مع تأثير واضح لمؤثرات أخرى، مثل طبيعة الإنسان ونفسيته، والمحيط المؤثر فيه،
(1) (محاضرات في الثقافة الإسلامية) أحمد محمد جمال، دار الكتاب العربي، بيروت، ط6 (2001م) ص15.
(2) رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين، ح (1385) ، واللفظ له، ورواه مسلم، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة ... ، ح (6755) .
(3) رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض، ح (746) بلفظ: (فإن خلق نبي الله كان القرآن) .
(4) النووي شرح مسلم (3/ 268) ، ينظر شرح صحيح مسلم، الإمام يحيى بن شرف النووي، دار الكتب العلمية، بيروت (د. ت) .