والمتأمل في تاريخ الأمة الإسلامية لا يلحظ في بداياتها الإشارة الصريحة لمسألة تولي الكافر للمناصب القيادية في الأمة، والسبب أن الدولة الإسلامية لم تكن تضم من الكفار داخلها إلا من كان من أهل الذمة والعهد ممن يقيم فيها بحماية وجزية، لهذا فإن الكفار تجاه المجتمع المسلم على أنواع [1] :
أولها: الحربي وهو المقيم في بلاد الكفر المحاربة للمسلمين، المعلنة للعداء عليهم، وهذا لا يدخل ضمن هذا المبحث، لأنه لا يتصور أن يتولى القيادة.
ثانيها: المعاهد أو المستأمن على اختلاف في التفريق بينهما، لكن المعاهد أو المستأمن إما أن يكون من أهل الذمة وهم المقيمون تحت ذمة المسلمين بدفع الجزية، وإما أهل العهد وهم الذين صالحهم الإمام أو هادنهم ويسمون أهل الصلح، وأما المستأمنون وهم من أهل الحرب لكن يدخلون البلاد الإسلامية بأمان لغرض ما مثل الرسل والتجار ومن في حكمهم [2] .
وقد جرى العرف الإسلامي على تسمية المواطنين من غير المسلمين في المجتمع الإسلامي بأهل الذمة أي العهد والضمان والأمان، وذلك لأن لهم عهد الله وعهد رسوله وعهد جماعة المسلمين أن يعيشوا في حماية الإسلام وفي كنف المجتمع الإسلامي آمنين مطمئنين، فهم في أمان المسلمين وضمانهم، بناء على (( عقد الذمة ) )فهذه الذمة تعطي أهلها من غير المسلمين ما يشبه في عصرنا (( الجنسية ) )السياسية التي تعطيها الدولة لرعاياها، فيكتسبون بذلك حقوق المواطنين، ويلتزمون بواجباتهم. فالذمي هنا من أهل دار الإسلام بالتعبير الفقهي عند الفقهاء القدامى [3] ، وهو من حاملي الجنسية (( جنسية البلد الإسلامي ) )حسب تعبير المعاصرين [4] .
-ومازال مفهوم الدولة الإسلامية غير منضبط نظرًا لعدم تحديد تعريفه تحديدًا دقيقًا ولم تنجح منظمة المؤتمر الإسلامي في تحديد مفهوم الدولة الإسلامية وهو ما مثل عائقًا أمام طلبات الانضمام إلى المؤسسة من بعض الدول [5] -وسيأتي الحديث عنها في المبحث القادم-.
(1) غير المسلمين في المجتمع المسلم، منقذ السقار، مرجع سابق، ص (4) وغير المسلمين في المجتمع الإسلامي للقرضاوي مرجع سابق (7) .
(2) أحكام أهل الذمة، ابن قيم الجوزية، مرجع سابق (2/ 873) .
(3) المغني، عبد الله بن أحمد بن قدامة، دار هجر، القاهرة، ط2 (1413هـ) تحقيق (( عبد الله التركي وعبد الفتاح الحلو(13/ 236 - 249) .
(4) (( أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام ) )د. عبد الكريم زيدان، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1 (1402هـ) (63 - 66) .
(5) من كلمة الرئيس اليمنى علي عبد الله صالح في مؤتمر القمة الإسلامية العاشر في ماليزيا 17أكتوبر 2003، ينظر موقع الرئاسة www. yemen-nic. info.