إلى الحدود التي بلغتها، ولكن الدّين لم ينتشر في زمن الفتوح - فحسب - بل انتشر عبر التجار ورجال الدين والعلماء، وهكذا غطى العالم الإسلامي المساحة من حدود الصين إلى شاطئ الأطلسي، وانضوت تحت رايته شعوب لا حصر لها في هذا العالم، الذي انبثقت فيه حضارة تتبنى الإسلام ... وتشارك في ازدهارها كل عطاءات الشعوب التي دخلت في هذا المدعى الحضاري، لم تكن الحضارة الإسلامية تقتصر على شعب واحد هو العرب، بالرغم من دور اللغة العربية التي هي لغة القرآن الكريم، فقد ساهم في بناء هذه الحضارة الفرس والهنود والترك والبربر والأفارقة والقوط وغيرهم من الشعوب التي ساهمت في إغناء هذه الحضارة، ولم تقض العربية على الفارسية أو الأوردية أو التركية ... بالرغم من أنها أثرت فيها بالعمق، واغتنت الحضارة الإسلامية بتراث كل من هذه اللغات، وبعطاءات الشعوب التي دخلت في الإسلام [1] .
لقد كان العرب والمسلمون أثناء حضارتهم الزاهرة يولون وجوههم شطر الشرق حيث الصين والهند دون الغرب، وفي حين أثمر اتصال المسلمين بالحضارة اليونانية القديمة كثيرًا من الأفكار والآراء والمعارف في مجال العلم والفلسفة، وفي ظل دولة الأمويين في الأندلس لم تعد بغداد عاصمة العلم والتحضر، بل احتلت قرطبة مكانها عن جدارة، حيث كان هناك اللقاء بين الإسلام والنصرانية - بل واليهودية - التي لم تعرف تسامحًا وازدهارًا كالذي لقيته على أيدي المسلمين في الأندلس، مرورًا بإفريقيا ومصر، وفي العصور المتأخرة أسهمت الشعوب الآسيوية إسهامًا هائلًا في استمرار حضارة الإسلام على أيدي الأتراك العثمانيين والمغول في الهند وأصقاع آسيا المختلفة [2] .
وقد كان لقيام الدول المستقلة في شرق الدولة الإسلامية، ووسط آسيا، أثره في ازدهار الحياة الثقافية فيها، فقد نافست حواضر هذه الدول بغداد، بعد أن كانت أكبر مراكز العلوم والآداب، وأصبح لهذه الحواضر شخصية متميزة في علومها وآدابها، تعمل على تجميل نفسها بالعلماء والأدباء، وتعتز بهم، وتيسر لهم سبل الحياة الهادئة [3] .
وفي كل مراحل الازدهار التي عاشتها الحضارة الإسلامية شرقًا وغربًا، لم يكن لأوروبا -الغرب-أن تحتل أهمية تذكر عند العرب، ولم تكن مدركة عندهم - كوحدة جغرافية- ولم تكن لتشكل وحدة سياسية، فهي موزعة عند
(1) التبصر بالتجارة، عمرو بن بحر الجاحظ، تحقيق: حسن حسني عبد الوهاب، دار الكتاب الجديد، بيروت، (1966م) ، ص 191 - 192.
(3) تاريخ الحضارة الإسلامية في الشرق، محمد جمال الدين سرور، دار الثقافة: مصر، ط1 (د. ت) ، ص 208.