علماء الجغرافيا المسلمين بين الإقليم الخامس والسادس والسابع، ومشتتة عند المؤرخين إلى ممالك وإمارات لا حصر لها، ولم تكن أوروبا مصدرًا لأية سلعة مهمة، لكن حضور الإسلام في شبه جزيرة إيبيريا (إسبانيا والبرتغال حاليًا) أحدث خطًا تجاريًا بين شرق أوروبا وغربها. إن هذا الحضور الإسلامي في الأندلس هو الذي أيقظ الحركة الثقافية بكل صورها، وعززت وجود الحضارات الأخرى حتى صارت الأندلس مشعل العلم والحضارة التي نشرت العلم والتنوير في أوروبا، حتى بعد سقوط غرناطة عام 898 هـ-1492م آخر معاقل المسلمين في الأندلس [1] .
كما قامت الحروب الصليبية التي شنها الغرب الأوروبي بزعامة الكنيسة، تحت دعاوى باطلة تهدف إلى استرداد الأماكن المقدسة في الشرق من أيدي المسلمين، قامت بدور في إحداث التقاء فكري وثقافي بين الشرق والغرب أثناء تلك الحروب؛ حيث استفادت أوروبا استفادة شاملة من العلوم الإسلامية، وتعلم شعوبها صنائع وزراعات وفنون وأنماط عيش، أثرت تأثيرًا كبيرًا في تطورها.
إن الحداثة الأوربية تدين في انطلاقتها للمسلمين والعرب بالشيء الكثير ... عبر قرطبة وطليطلة وإشبيلية، تسربت العلوم الإسلامية والمخطوطات العربية إلى جامعات أوروبا، التي كانت تدرس العربية، وتكتشف الفلسفة وعلوم الرياضيات والطب، ومن خلال هذه المراكز تعلم الأوروبيون أنماط العيش وفنون العمارة، وآدابًا عديدة.
إن أوساط الاستشراق تعترف بالأثر الحاسم للعلوم الإسلامية في النهضة الأوروبية، في حين ينكر الآخرون أثر الإسلام على أوروبا، خاصة بعد اقتحام أوروربا وحضارتها المعاصرة أرجاء المعمورة [2] .
وجملة القول، إن حوار الحضارات - الذي تعدى المجال الثقافي- أظهر إلى أي مدى كانت الحضارة الإسلامية شعلة ومنبرًا لإرهاصات العديد من الحضارات الحالية. وكذلك هي نفسها نهلت من معين حضارات سابقة ولاحقة، لا سيما حضارة الفرس والروم والهند، ولا سيما في المجال الثقافي والعلوم والفنون المختلفة كما سيأتي.
ويمكن الإشارة إلى بعض الجوانب التي تدخل في المجالات الثقافية لحوار الحضارات - مع ما سبق ذكره:
1 -تعزيز اللغة العربية من خلال التفاوض والتحاور لإدخال الترجمات
(1) سقوط غرناطة وأثر ذلك على المغرب الأقصى في عهد بني وطّاس، عبد الله حامد الحييد، جامعة أم القرى، (1998م) ، ص 27.
(2) الحضارة والفكر العالمي، مصطفى غنيمان، الوراق للنشر، الأردن، ط1 (2005م) ، (ص 278) .