الرجل الوحيد في التاريخ الذي حقق نجاحًا ساحقًا في الوجهين: الديني والدنيوي ... ورغم وجود قرابة ضعف عدد المسلمين من النصارى في العالم، قد يستغرب البعض من علو ترتيب محمد على عيسى، هناك سببان أساسيان لهذا القرار:
1 -أن تأثير محمد في النهوض بدينه كان أكبر من تأثير عيسى في الإتيان بالنصرانية.
2 -أن محمد لم يكن قائدًا دينيًا فحسب (مثل عيسى) ، بل كان أيضًا قائدًا في شؤون الدنيا )) [1] .
إن تأثيرات الحضارات السابقة على الحضارة الإسلامية منها ما حدث في شكل إيجابي، ومنها ما كان في صورة سلبية؛ وإيجابية التأثير تقوم على وجود توافق أو التقاء في العناصر والأفكار بين حضارة سابقة من ناحية، والحضارة الإسلامية من ناحية ثانية، وهنا يكون دور الحضارة الأخيرة هو إضافة المزيد لتوضيح العناصر الموروثة، وتعميق الأفكار السابقة، وهذا المستوى من التأثير يعتبر إسهامًا للحضارة الإسلامية لا يمكن إنكاره أو تجاهله، فقد تكتسب عملية الشرح والتعميق للأفكار والعناصر الموروثة صبغة جديدة تجعل ارتباطها بالحضارة الإسلامية أكثر منه بالحضارة السالفة.
أما سلبية التأثير فإنها تنشأ من وجود تنافر أو تضاد حول فكرة أو نظرية أو قضية، وبتأثير هذا التضاد تركز الحضارة الإسلامية على البديل الصحيح، تدعمه بالأدلة والبراهين، وترفض البديل السيئ وتقمعه بالأدلة والبراهين أيضًا [2] .
أما إذا تسلل البديل السيئ وجاء الأثر المضاد، فإن جوانب الفائدة فيه تكون في التأصيل والتحصين والتقوية، كما حصل من تأثيرات المذاهب الهدامة والخرافات والأباطيل والشعوذة التي تسللت إلى بلاد المسلمين، فتصدّى لها العلماء بالرد والتأليف.
ولذا فإن الحديث عن الآثار السيئة لن يتم التطرق إليه هنا، إذ الأصل أن الحوار الحضاري يحقق الجوانب الإيجابية، وهو ما يرجوه أصحاب الحضارات.
(1) ص (13 - 18) بتصرف.
(2) مراكز الحضارة الإسلامية، د. حامد غنيم أبو سعيد، دار السلام، القاهرة، ط1 (1428هـ) ص43.