فهرس الكتاب

الصفحة 380 من 579

العربية، وكان منشأ التحاور من فرعين: الأول: الفرس الذين أسلموا أو لم يسلموا؛ والثاني: العرب الذين كانوا يرغبون في الاطلاع على أدب الفرس وعلومهم. ولذا، فقد نشطت الحركة العلمية في العصر العباسي نشاطًا كبيرًا، فازدهرت حركة التحاور التاريخي في تطوره وثرائه )) [1] .

ثم تحاور المسلمون مع الثقافة الهندية؛ فلما تم فتح الهند، أذن بعض كبار القواد لأنفسهم أن يتحاوروا مع العلماء. وكان من أشهر أولئك العلماء: الربيع بن صبيح البصري [2] -وكان من المحدثين- وأوّل من دوّن الحديث في الهند؛ حتى الموالي الذين جيء بهم من الهند وأسلموا، كان من بينهم علماء دخلوا في مناقشات مع العلماء المسلمين ... فكان منهم اللغويون والمحدثون وعلماء في الرياضيات، ولقد تحاور المسلمون مع الهنود في الرياضيات، وتأثروا بهم كثيرًا .. لاسيما فيما يتعلق بمحركات الكواكب وحسابها، وإن كانوا -بالمحاورة والمناقشة-تغلبوا عليهم، وتوصلوا إلى نظريات جديدة، وحقائق فلكية كانت غائبة [3] .

ولم يقتصر الحوار على حضارات الشرق بل امتد ليصل إلى حضارات الغرب، فقد اتصل وتحاور العرب مع الحضارة اليونانية والرومانية، ويظهر لنا ذلك من خلال الترجمات الكثيرة لكتب اليونان والرومان في مجال الفلسفة والعلم ... إلخ. ثم جاءت الثقافة اليونانية الرومانية، وكانت مدينة حَرَّان مصدرًا رئيسًا من مصادرها في العهد الإسلامي، فقام الحوار العلمي بين علمائها وعلماء الخلفاء العباسيين ... وقد مرّت حركة الترجمة خلال العصور الإسلامية بمراحل عدة، كتب عنها أهل التأريخ والرصد، وأبرز بعضهم ما فيها من المكاسب، أو ما حصل جراءها من المساوئ، وبخاصة عند ترجمة كتب الزندقة والبدع والفلسفة المغرقة في الإلحاد، وهذا أثر على المسلمين بظهور فرق كثيرة بسبب هذه الترجمات [4] .

ومن هذه المراحل تم نقل آثار ثقافية كثيرة من الحضارات الأخرى إلى الحضارة الإسلامية، ومنها:

-ترجمة العلوم الطبيعية كالطب والكيمياء، وتعريب الدواوين [وهي كلمة فارسية

(1) المرجع السابق، ص (599 - 600) .

(2) هو الربيع بن صبيح البصري العابد، الإمام مولى بني سعد، من أعيان مشايخ البصرة، محدث كبير الشأن، قال عنه أحمد: (( لا بأس به ) )، وقال عنه شعبة: (( هو من سادات المسلمين ) )، توفي بالسند في وقعة (بارتل) ، أو (باربد) سنة (160هـ) . ينظر: سير أعلام النبلاء، مرجع سابق (7/ 288 وما بعدها) .

(3) الكيلاني، مرجع السابق، (ص 601 وما بعدها) .

(4) حركة الترجمة في المشرق الإسلامي في القرنين الثالث والرابع للهجرة، رشيد الجميلي، طرابلس، (ب. م) (1982م) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت