فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 579

بين الصراع والحوار في أذهان الغرب.

يرى فريق من الباحثين أن الثقافات كائنات حية يحملها البشر وتخضع لقوانين الحياة نفسها كالميلاد والوفاة والصراع والحوار، وفي عالمنا المعاصر تحاول الثقافة الغربية أن تنافس على الصراع وتدعو إلى الحوار، ولكنّ ذلك لا يزيد عن كونه كلاما إنشائيا بلا معنى [1] .

وصحيح أن العولمة سمة سائدة لعصرنا لكن هذه الكلمة تشمل مفاهيم متنوعة؛ فعندما يكون معناها أن المشكلات أصبحت مطروحة على المستوى العالمي، وأن المعلومات والأفكار ورؤوس الأموال يمكن أن تنتقل في لحظات من أقصى الأرض إلى أقصاها فلا يستطيع أحد أن ينكر ذلك، ولكن عندما يكون المقصود بالعولمة أن الليبرالية الجديدة ينبغي أن تفرض في كل مكان، وأنه ما من طريق آخر إلا الذي ترضى عنه العولمة الكبرى، وأن فكرا واحدا ينبغي أن يسود، فإن هذه ولاشك إساءة لاستخدام اللغة لا تختلف في شيء عن إساءة استعمال السلطة [2] .

هذه إذن رؤية الثقافة الغربية لحوار الحضارات، وهي بلا شك رؤية غير معقولة في ظل محاولة فرض ثقافة جانب واحد وابتلاع الثقافات الأخرى، وصحيح أن هناك علماء ومفكرين في أوربا وأمريكا ممن يتحمسون للدفاع عن مصالح الشعوب المقهورة (العالم الثالث) إلا أنهم قلة قليلة لا تصل أفكارهم إلى أغلبية الناس داخل بلادهم، فكيف تصل إلينا في ظل شبكة الإعلام الكونية القادرة دائمًا على إغراقنا بكل المعلومات والأفكار المؤدية إلى تزييف الوعي وإخفاء الحقيقة؟!

وعليه فقد انطلقت رؤية الغرب لحوار الحضارات من منطلقات عدة، فهو (الغرب) يبحث دائمًا عن عدو، وفي فلسفته أن العداء مع الآخرين وبخاصة الإسلام عداء متجذر، كما أن هذا العداء يصبغ بصبغة تنصيرية سافرة كمحاولة لتدمير الإسلام، فرؤية الغرب اتضحت بجلاء من خلال مفكريه (( فوكوياما، وهنتنجتون وغيرهما ) )ممن جعلوا الإسلام عدوًا صريحًا للحضارة الغربية بكل منظوماتها وقيمها ومنجزاتها.

كما أن الحضارة الغربية ترى من الحوار صورة لفرض نمطها على العالم، وصبغه بنفس الصبغة الغربية - كما سيأتي بيانه -من هنا، أصبح من الممكن أن يتحول الحوار إلى صدام وصراع لأن الصراع يحدث عندما تجعل إحدى الثقافات من نفسها الثقافة العظمى - والقائدة - بينما كل الثقافات الأخرى ثقافات صغرى - تابعة - والعلاقة بينهما هي علاقة ميتافزيقية، علاقة بين الواحد والكثرة. إن ثقافة واحدة في سعيها إلى القوة تتجاوز كل الثقافات الأخرى وتتفوق عليها، وهذه هي حالة

(1) المرجع السابق، ص 55.

(2) صراع الحضارات أو حوار الثقافات، أوراق ومداخلات المؤتمر الدولي (( حول صراع الحضارات أم حوار الثقافات ) )، إيف جرينيه، القاهرة 10 - 12 مارس 1997م، تحرير فخري لبيب، ص 183.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت