وهذا المعطى الحضاري ليس نتيجة ضغط أو ضعف؛ بل هو سمة دائمة في هذه الثقافة التي لا تستعلي على أحد، ولا تستضعف الآخر فتفرض عليه بقوة السلاح ثقافتها.
والثقافة الإسلامية تعترف بسنة التدافع الحضاري وتداول الحضارات، وأن التطور متاح للجميع، وليس حكرًا لأحد دون أحد.
وحوار الحضارات في الثقافة الإسلامية هو كل حوار بين ممثلي الحضارات لقيام تعاون وتفاعل مشترك في شؤون الحياة المختلفة، ولتبليغ كل طرف رسالته الحضارية للآخر بالجدال والإقناع والبرهان وفق أصول وأهداف وضوابط لا يمكن المساس بها.
ب- في الثقافة الغربية
ترتبط الثقافة الغربية بوجه عام بظروف الغرب التاريخية وتراث الشعوب الغربية والبيئة المرتبطة بها، وكل هذه الظروف التاريخية الموروثة إنما تصب في النهاية في عقلية الغرب ومفكريه لتؤسس نموذج الغرب الحديث ورؤيته للحوار بين الحضارات ويجدر بنا أن نتناول في البداية تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب.
لقد مر الغرب بثلاث مراحل هي المرحلة اليونانية الرومانية (المرحلة القديمة) ثم المرحلة اليهودية النصرانية (المرحلة الوسطى) وأخيرا مرحلة أوربا الحديثة التي استرجعت تاريخها الوثني والأسطوري القديم وهي نفس المصادر التي كونت الوعي الأوربي [1] .
وفي العصر اليوناني الروماني، نظر الإغريق إلى غيرهم باعتبارهم برابرة غير متحضرين وظهرت عقدة التفوق اليوناني، وترجم الإسكندر ذلك في النهاية عندما قام بحملته لفتح الشرق وتكوين إمبراطورية تجمع بين الغرب والشرق، وانتشرت الثقافة اليونانية في مصر والشام وصارت اليونانية هي لغة الحكام. وأصبح من الضروري لدى الإسكندر الأكبر أن يجمع أولا بين شتات الثقافة الغربية فقام بتوحيد العالم اليوناني وقضى على التناقض بين فكر أثينا وإسبرطة من أجل التوحد في مواجهة البرابرة [2] .
استأنف الرومان ما بدأه الإغريق وقاموا بترسيخ الاستعلاء على غيرهم، وأسسوا إمبراطورية كبرى في البحر المتوسط، وسادت اللغة اللاتينية ثم انتشرت النصرانية مع اللغة اللاتينية وانتشرت في شمال أوربا بعد أن تحولت روما من عاصمة للإمبراطورية الرومانية إلى عاصمة الإمبراطورية النصرانية عندما تحول قسطنطين إلى بيزنطة في القرن الرابع الميلادي [3] .
وعندما انتشر الإسلام على شاطئ البحر المتوسط وأسس حضارة جديدة ورثت الحضارة اليونانية الرومانية والحضارة اليهودية النصرانية ودخلت المستعمرات الرومانية في الإسلام وساهمت في تكوين حضارته في العصور الوسطى، بدأ العداء الغربي للعالم الإسلامي وحرك الغرب عددا من الحملات الصليبية المتتالية حتى عرف هذا العصر بعصر الحروب الصليبية [4] .
لم يكن الإسلام نفسه هو مصدر القلق، بل إن حركة التوسع الإسلامي وتقدم المسلمين في العلم والثقافة والحرب كان بمثابة الصدمة الحضارية للغرب الذي ظن أنه خلق ليسود المشرق دائما، وكان التقدم الإسلامي هو أحد مصادر النهضة الأوربية الحديثة عندما بدأت الترجمات من العربية إلى اللاتينية مباشرة أو عبر العبرية في طليطلة وصقلية [5] .
وفي مطلع العصر الحديث امتزج الدين بالدوافع الاقتصادية والسياسية. فبعد سقوط غرناطة في يوم الجمعة 21/ 1/ 897هـ الموافق 25/ 11/ 1491م فضّل الأوربيون الالتفاف حول العالم من الغرب بعد أن فشلوا في التسلل من الشرق وخلال حركة كشوف كبرى قامت بتشجيع من الحكومات الغربية تم الوصول إلى الهند عبر رأس الرجاء الصالح وكان ذلك ضربة موجهة ضد المسلمين واحتكارهم التجارة الآسيوية، وخلال التوجه إلى آسيا عن طريق الدوران غربا تم اكتشاف القارة الأمريكية ولاقى السكان الأصليون مصيرهم المحتوم، ولبناء العالم الجديد تم التوجه نحو أفريقيا، وحدث أكبر نزح للسكان من أفريقيا إلى أمريكا بسبب العبودية والأسر والخطف، وعلى أيدي الرقيق الأفريقي تم تعمير القارة الجديدة [6] .
وما حدث في أفريقيا حدث في آسيا، حيث قضى الأوربيون على إمبراطورية المغول في الهند وشاركت في ذاك معظم القوى الغربية بهدف وضع العالم الإسلامي في آسيا بين شقي الرحى، وبدأت في إحلال الثقافة الغربية محل الثقافات المعروفة عند أصحاب الأرض الإسلامية والبوذية والهندوسية والكونفوشيوسية [7] .
وفي عالمنا المعاصر وتحديدا منذ مطلع القرن الواحد والعشرين، اتخذت العلاقة بين الشرق والغرب أشكالا مختلفة، حيث دار النقاش بعد ظهور مصطلح (( العولمة ) )حول صدام الحضارات وحول الثقافات ومن المهم أن نعرف ماهية الفرق
(1) مقدمة في علم الاستغراب، حسن حنفي، الدار الثقافية القاهرة، ط1 (1991) ص 107 وما بعدها.
(2) الهلينية في مصر، إندرس بيل، ترجمة: عبد اللطيف وفريد (ط1، دار الندى، مصر، بدون تاريخ) .
(3) تقيم تجارب حوار الحضارات، (خطابات عربية) حسن حنفي، ص 60.
(4) الحركة الصليبية في العصور الوسطى، سعيد عاشور، مكتبة الأنجلو، مصر، ط 5، (1999م) ، (1/ 254) .
(5) تقييم تجارب حوار الحضارات، حسن حنفي، ص 61. وسيأتي تفصيل ذلك في الباب الثالث.
(6) تقييم تجارب حوار الحضارات، حسن حنفي، ص 62.
(7) المرجع السابق.