هجرة المسلمين إلى مختلف أنحاء المعمورة، وبفضل القوة الاقتصادية الهائلة لدول النفط، وبسبب التوسع في شبكات الانترنت والقنوات الفضائية ومختلف وسائل الاتصال»، ويستشهد على ذلك بأن الولايات المتحدة بها ستة ملايين مسلم، وأوربا بها عشرون مليونًا، كما أن دولا عديدة مثل أسبانيا وفرنسا وبلجيكا والنمسا قد أبرمت معاهدات رسمية مع الجاليات المسلمة، وتعاملها في - براد فورد- في المملكة المتحدة تكاد لا تجد له نظيرا، وينبه د: هوفمان إلى خطر العلمانية على الهوية الإسلامية، وهو خطر مساو لفكرة الدين العالمي فيقول:
«إن النظرة التعددية التي جاء بها القرآن الكريم تختلف تماما عن أن يضحي المرء بهويته الإسلامية لصالح شعارات غامضة عن المحبة والسلام» . ويقول أيضا: «إذا كان مشروع الحداثة أخذ في التفكك، وإذا كان الدين أخذ في العودة إلى العالم الغربي فلماذا لا يصبح الإسلام دين الغرب في القرن الحادي والعشرين؟ » [1] .
إن جمال وجلال الإسلام وروعته لتتجلى لأعين من لا يدينون به، في أنه الدين الذي كتبت له الصيانة من عبث العابثين لأنه ليس فيه كهنوت؛ ولأنه بعيد عن - الإكليروس [2] - بقول شارل جان بيير - مدرس مقارنة الأديان في السوربون، ومؤلف كتاب «تطور الأديان» : «إن كل دين من الأديان يحمل في طياته عوامل تطوره وتحوله، والدين الوحيد الذي نجا من هذا التطور إنما هو دين الإسلام، والسر في ذلك أنه ليس فيه إكليروس» [3] .
من هذا كله أصبح للثقافة الإسلامية جذور عميقة ترتكز عليها ومن ثم هي لا تخشى الحوار، بل على العكس ترحب بحوار الحضارات والتحاور مع الآخر بهدف إذابة جبال الثلج ومد جذور التفاهم وتصحيح كثير من المفاهيم والأغلاط التي نجمت من الصدام والجمود والاستكانة، فلا تجد الثقافة الإسلامية غضاضة من الحوار ما دام يؤتي ثماره بعيدا عن مهاترات لا تسمن ولا تغني من جوع.
وبهذا فإن حوار الحضارات في الثقافة الإسلامية ينطلق من مبدأ الإقرار بالتنوع الثقافي والتعدد اللغوي والفكري، وعدم المفاضلة بين الناس في اللون والجنس أو الأصل أو الفصيلة أو القبيلة.
(1) منصور الحلو المرجع السابق، ص 309.
(2) كلمة"إكليروس"مشتقة من كلمة"إكليرونوميا"، ومعناها"الميراث"، أي أن هؤلاء الناس اختاروا الرب نصيبًا لهم، وأصبح الميراث الوحيد الذى يسعون إليه هو ميراث الملكوت، أى أنهم أصبحوا مكرسين لله تمامًا، لا يعملون عملًا آخر سوى المساهمة في بناء ملكوت الله في القلوب، من خلال الخدمة والتعليم والرعاية. ينظر مقال: من هم الإكليروس؟ لنيافة الأنبا موسى، على هذا الرابط: http: //www. youthbishopric. com/library/ArticlesLibrary/Arabic/church/CH1/ch14. htm. وينظر: المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة، عبد المنعم الحفني، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط3، (2000م) ، ص 88.
(3) تطور الأديان، ص 94.