فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 579

القرارات في الدول الكبرى كنوع من التنسيق بين العلماء والقادة بما في ذلك الاستشراق، ويتم تسويقها ونشرها على نطاق واسع ومن خلال أجهزة الإعلام ودور النشر والترجمة والرحلات وتجنيد كل وسائل الاتصال لذلك.

إذًا، مفهوم حوار الحضارات لدى الثقافة الإسلامية لا بد أن يقوم على الأخذ والعطاء على مستوى النِّدِّية بين الطرفين الإسلام والغرب، فلا توجد ثقافة غالبة عظمت ثقافات الشعوب المغلوبة قدر الثقافة العربية الإسلامية [1] .

ويحرص المفكرون المسلمون المعاصرون على تأكيد هذه الحقيقة «فبناء الكيان الحضاري يقوم على أربع قواعد: الإيمانية الأخلاقية والجمالية الفنية، والتقنية الصناعية، والثقافية المعرفية، وباختلاف كنه هذه العناصر وترتيب قواعد الكيان الحضاري تختلف الحضارات الإنسانية ويكون تميزها عن سواها، والمنطلق الإيماني الأخلاقي في الحضارة الإسلامية هو مقومها الأول الذي يبرز مهيمنًا على بقية المقومات، من فنية جمالية وتقنية صناعية وثقافية معرفية، فهو الذي يعطيها صبغتها وسموها ويجعلها حضارة باسقة في الأرض موصولة بالسماء. وصفتها الربانية هذه هي التي تمدها بقدرة البقاء صاعدة وصامدة، فهي صاعدة في الظروف الملائمة للتألق الحضاري وصامدة في الحالات التي تقهر فيها على الانكماش والتوقف. وتتميز الحضارة الإسلامية بهذه الخاصة. فالحضارة الإسلامية لها خصائصها الجذرية الدائمة وشخصيتها الحركية الحية، فهي وجود واحد له في نمائه وتوقفه وفي ومضه وغمضه مراحل وأطوار من الازدهار والانحسار وليس من طبيعته أن يموت. وهذا هو سر المواجهة العارمة المحتدمة التي تعرض لها الإسلام ويتعرض لها في المعترك الحضاري» [2] .

فالإسلام وثقافته أصبحا يرتكزان على أساس قوي، ولا ينقصه حتى يحرز تفوقا على الآخر في صورة حوارية دون صدام إلا إلى علماء يستطيعون تقديمه بطريقة عصرية [3] ، بعيدة عن الانفعال والوقتية وامتلاك وسائل التغيير الصالحة للعصر، إذا كنا نريد تقديم الإسلام بديلا حضاريا يجب أن نستوعب التحديات الراهنة ونحسن تقديم هذا البديل إلى أبناء الحضارة الغربية الذين يشعرون بالهوة، ويتطلعون إلى عالم آخر أفضل من عالمهم المادي، ويقول الدكتور: مراد هوفمان - السفير السابق لألمانيا في المغرب والجزائر والذي اعتنق الإسلام ونذر نفسه لخدمة القضايا الدينية: «إن الإسلام لأول مرة في العصر الحديث يكاد أن يصبح دينا عالميا بفضل

(1) حوار الحضارات، منصور الحلو، منشأة المعارف بالإسكندرية، (2007) ، ص 308.

(2) الإسلام في المعترك الحضاري، عمر بهاء الأميري، بيروت (1388هـ) ، ص 14، 18، وينظر حديثًا للمؤلف نفسه منشور بعنوان: «الحق والخير والجمال في الشعر والأدب» بمجلة «الفيصل» - الرياض - ع 18 - ذو الحجة 1398 هـ ص 128 - 129.

(3) من حيث وسائل الاتصال العصرية وأسلوب تناول القضايا التي تهم الطرفين، مع مراعاة اختلاف ثقافة المخاطب من أهل الكتاب وغيره عما كان عليه منذ قرون. وقد أكد إدوارد سعيد أنه يستهوي قلوب الملايين في عصرنا، ينظر: (الاستشراق) ، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، الطبعة الرابعة (1995م) ، ترجمة: كمال أبو ديب (282 - 285) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت