إذًا، فالمحاورة قديمة منذ بدء ظهور أبناء آدم على الأرض، واستمرت إلى يومنا هذا.
3 -حوار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع أقوامهم لتوحيد الله وتعظيمه ونبذ الشرك:
وكلها تدور حول الدعوة وترك العادات السيئة من الظلم والفواحش ونقص الميزان، ونشر الفضائل عمومًا وترك الرذائل، وأمثلة هذا النوع من الحوار كثيرة، وهي مجال القدوة والاقتفاء كما قال سبحانه لنبيه: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90] .
4 -حوار سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
ما إن مَنَّ الله تعالى على رسولنا عليه الصلاة والسلام بالرسالة، إلا وقد رأينا ثاني السور الكريمة (المدثر) تأمره بالدعوة والحوار: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنذِرْ* وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ* وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ* وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ* وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ* وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ* فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ* فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ* عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ* ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} [المدثر، الآيات 1 - 11] .
ولما كان الله تعالى قد آتى رسوله - صلى الله عليه وسلم - جوامع الكلم، وأقوم السبل وأحسن الأساليب منذ قام بما أمره الله تعالى إلى أن أتاه اليقين، فكان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حوادث عديدة مع قومه في مكة وهم مشركون تأصلت في قلوبهم عبادة الأوثان والأصنام والكبر.
5 -الحوار مع الساعي للمعاصي:
لما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين ومبشرًا ونذيرًا، جعله الله تعالى ليّنًا مع الناس متسامحًا مع أفراد الأمة، ولم يكن هذا سلوكه صلى الله عليه وسلم مع أهل الطاعة فقط وإنما مع العصاة: وها نحن نستمع لهذا الحوار الدال على الحكمة العظيمة في علاجه لقضايا الناس النفسية والعصبية والمادية.
فعن أبي أمامة - رضي الله عنه - أن شابًا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا نبي الله، أتأذن لي في الزنا؟ فصاح الناس به، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «قربوه» ، اُدْنُ، فدنا حتى جلس بين يديه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «أتحبه لأمك؟ » قال: لا، جعلني الله فداك؛ فَوضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده على صدره، وقال: «اللهم طهّر قلبه، واغفر ذنبه، وحصِّن فرجه» ، فكان ما يتمناه من الحرام أبغض شيء له [1] .
فهذا الحوار يجعلنا نلمس مقدار استخدام الحكمة في علاج القضايا الفكرية
(1) رواه أحمد في مسنده (22265) والبيهقي (18288) والطبراني في الكبير (7759) ، وقال الهيثمي 1/ 129: (ورجاله رجال الصحيح) ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة.