فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 579

بالخداع دون الإقناع، فلابد على المحاور أيضًا أن يتحرى الحق في كل ما يقول، وأن يتجرد من شهوة الغلبة والإفحام ولو بالباطل، وهذا يقتضي أن يذكر الحقيقة كاملة، وألا يقتصر على نصفها الذي قد يُرضي الفريق الآخر وقد يضمن للمحاور نفسه الفوز في حواره. ومن ذلك أننا دأبنا على القول في حوارنا إن الإسلام دين سماحة ودين رحمة وإحسان ومغفرة، وذلك صحيح بلا ريب، ولكن بعضنا - عند حوار الآخر - يحرص على استخدام لغة التهكم [1] .

فقد جعل القرآن الكريم للعلاقة بين المسلمين وغيرهم درجات، وذلك لأن الخلاف بين الناس أمر طبعي مشهور، فالأصل مع المسالم من الناس الطالب لسماع غيره دون اعتداء أن يعامل معاملة حسنة ويُسمَع كلامًا حسنًا، قال تعالى: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83] .

وهذا أصل عظيم في حسن المعاملة وإظهار خُلق المسلم وآداب الإسلام، وهو من أعظم أسباب إقبال الناس من شتى الأمم والبلاد على الدخول في دين الله تعالى.

والكلام الحسن: هو الكلام الطيب البعيد عن الإساءة، وهو أيضًا الكلام اللين غير الفظ أو الشديد القاسي، ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك الحلم والعفو والصفح، وبالجملة فهو كل خلق حسن رضيه الله [2] .

فهذا خلق المسلم مع غيره من المخالف المسالم، فإن كان من أهل العدوان والمحاربة فيتغير الأسلوب إلى الغلظة كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التوبة: 73] . وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 123] .

فإذا انتقلنا من المعاملة العامة القائمة على الخلق الحسن فعلًا وقولًا، إلى المحاور والمجادل: أمرنا الله تعالى كذلك بحسن الخلق فقال سبحانه: {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46] .

وهذه الآية - على الراجح - ليست منسوخة، بل باقية على دلالتها لمن أراد الاستبصار في الدين فيحاور بالتي هي أحسن ليكون ذلك أنفع وأنجح، كما قال سبحانه: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44] .

واستثنى الله تعالى من هذه المعاني الحسنة الظالمين منهم فقال: {إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} ، أي: مَن حاد عن الحق وأصر على الباطل مكابرًا معاندًا، فينتقل الأمر من حالة إلى أخرى وفق الموقف [3] .

(1) ناصر الدين الأسد، المرجع السابق، ص 31.

(2) تفسير الطبري 2/ 288 وابن كثير 1/ 316.

(3) ابن كثير 6/ 238.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت