إذًا، لا حياد عن إظهار سماحة الإسلام وحسن خلق أتباعه عند التقاء المخالف ومحاورته. فإذا تدبرنا السنة المطهرة وجدنا أمثلة كثيرة للدلالة على هذا المنهج، كما سبق، ويتضح ذلك بما جاء في حديث إسلام عدي بن حاتم - رضي الله عنه -؛ وقدوم وفد نجران، وغير ذلك [1] .
ونلاحظ هذا الأدب الإسلامي في عدم إظهار الكبر والعجب على المحاور بل يتجنب كل ما يؤدي إلى إحداث التدابر والكراهية والإحراج، ومهما كان المخالف فلابد من احترامه لكونه إنسانًا أولًا.
بل على المحاور السعي لاستحقاق القلوب قبل الأبدان وتحريك العقول وتنشيطها قبل الجوارح.
ثم إن أسلوب الكبر والتحدي يمنع المحاور من التسليم للحقائق ويدفعه لرفضها بل والتمادي في العناد، والإصرار على الباطل، لأن الغرض من الحوار في الأصل الوصول إلى نقاط التقاء لتفادي صدام يدمر ولا يعمر، ويهدم ولا يبني، وهذا مجموع في قوله تعالى: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا}
[البقرة: 83] .
ولنتأمل قوله تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [سبأ: 24] .
ثالثًا: الالتزام بموضوع الحوار
من أهم آداب الحوار وأسسه الالتزام بالموضوع المراد التحاور فيه والنقاش بشأنه، فلا ينبغي الحيدة والابتعاد عن الموضوع الأصلي حتى تتحقق النتائج المرجوة من الحوار وتعم الفائدة، وينبغي أن نتجنب الاجتماع والتحاور من أجل الجدال العقيم. فعندما يتم عقد مؤتمر أو ندوة ما فلا بد أن تحمل عنوانا تدور حوله الندوة، ويلتزم جميع المحاضرين بموضوعها دون انحراف عن سياق الحوار وموضوعه.
ونرى ذلك جليًا في التزام موسى - عليه السلام - ببيان ما أمره الله حين أرسله إلى فرعون، فأخذ يبين له أن الله أرسله لإخراج بني إسرائيل وعدم تعذيبهم، فإذا فرعون يخرج من مناقشة موسى فيما أرسل إليه بطلب الآيات، فلما أظهرها الله على يدي موسى إذا بفرعون يسفه كلام موسى أمام قومه ويتهمه بأنه يسعى للسلطة والمال والسيطرة، ثم يتهمه بالمهانة وعدم حسن التعبير، بل ويتمادى في كبره فيسأله عن ربه، فيما بيَّن موسى عظمة الله تعالى وقدرته واستحقاقه للإلهية والعبادة، وينتهي المطاف بفرعون إلى اتهامه بالجنون وحشد جنوده للقضاء عليه وعلى أتباعه.
فنحن نلحظ اتباع موسى - عليه السلام - للمنهج المرسل به في قوله تعالى: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44] . ولم يحد عنه، بخلاف هذا الجاهل المغرور.
(1) يراجع صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب قصة أهل نجران، ح (4380) .