رابعًا: حسن الاستماع وأدب الإنصات:
من الأسس المتبعة والقواعد المرعية التي يجب الالتزام بها في الحوار الاستماع الجيد للآخر، فالدين الإسلامي حث على الاستماع إلى الآخر عندما يتكلم، لا سيما وأن الاستماع الجيد للآخر يعطي الفرصة لتفحُّص كل ما يرد في نص حواره حتى تعم الفائدة، فربما يحاور شخصًا آخر ويقوم بتجريحه أو المساس بعقيدته وهو غافل، ومن هنا تأتي أهمية الإنصات حتى يأتي الرد والمشاركة في الحوار بصورة أكثر جدية، وهذا يتطلب من المتحاورين حسن الاستماع للمخالف وعدم المقاطعة والعجلة في الرد.
وكذلك يتطلب من المستمع تدبر ما يسمع وفهمه، وله أن يستفهم إن لم تكن المقاطعة ستخرج الكلام عن موضوعه أو تشتت ذهن المتحدث.
وقد كان حوار الأنبياء يبدأ بحسن التعبير عن المقصد من إرسالهم، وغرض الرسالة، وبيان صفات المرسل وعظمته وهو الله تعالى، حتى إذا انتهوا استمعوا للمخالف على ما في كلامه من شدة وقوة بل وتسفيه في أحيان كثيرة، وهذا واردٌ في قصة هود وصالح وشعيب ولوط وكذا موسى عليهم جميعًا صلوات الله وسلامه.
ثم على المستمع الصبر على ما قد يراه ماسًا بفكرته أو منهجه؛ لأن ذلك ليس دافعًا أو سببًا للمقاطعة، بل عليه الإنصات إلى انتهاء المُحاور.
خامسًا: تقدير الخصم واحترامه
على المحاور أن يراعي في حواره مع أي طرف كان الاحترام والأخلاق الفاضلة والتقدير الواجب، سواء أكان الطرف الآخر من المسلمين أم من غيرهم، فيعطي كل ذي حق حقه وينزل الناس منازلهم، فليس الكبير كالصغير وليس الرئيس كالمرؤوس وليس الشريف في قومه كغيره، مع الانضباط بالضوابط الشرعية والبعد عما يخالفها. وإن تعاملنا مع الآخرين بهذه الروح الواثقة المؤدبة يضفي علينا صفة الذوق والأدب وحسن التأني [1] .
ومن إنصاف المخالف ذكر إيجابياته وموافقته فيما يصدر عنه من حق، ومن تأمل آيات القرآن الكريم التي ذكرت أهل الكتاب وصفاتهم الذميمة يجد أن الله - عز وجل - لم يبخسهم حقوقهم، بل أنصفهم غاية الإنصاف، ومن ذلك قول الله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا} [آل عمران: 75] .
وقوله تعالى: لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاء
(1) (( الإسلام والحوار الحضاري ) )ضمن كتاب (( الإسلام وحوار الحضارات ) )، د/ مانع بن حماد الجهني