فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 579

الغربية، تتطلع إلى حوار يدعوها إلى البحث عن مخرج وخلاص، وإلى رحمة تستنقذها من أمراضها، وترشد إبداعها الحضاري والتقني إلى ما فيه صلاح البشرية وخيرها، فإنها بقدر تقدمها التقني، تفقد من مقومات تكريم الله لها، وآدميتها الشيء الكثير.

ولا يجد المراقب المتأمل من سبب لهذا البعد والتخبط الذي تقع فيه المجتمعات إلا النكوص عن شريعته، والبعد عن اتباع هديه، وعن العمل وفق ما يرضيه ... فهذا الشقاء أثار في المجتمعات الإنسانية جوعة التدين من جديد، وبخاصة أن التقنية الحديثة ووسائط الاتصال كرست وسهلت التواصل بين العقلاء الذين أكدوا على أهمية الدين في تهذيب التحديات المستجدة ومواجهتها.

وأمام هذه الحالة تبرز حاجة البشرية إلى الإسلام، فهو الدين الوحيد الذي يملك مفاتيح أزماتها، بما يملك من تجربة حضارية رائدة تجعله قادرًا على المسيرة الحقة، دون إغفال للمدنية الجديدة قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ

مُسْتَقِيمٍ (16) [المائدة 15 - 16] ، ويقول جل ذكره: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة 143] ، فهذه الأمة هي خير الأمم، فهي تقع في مكان وسط بين العقائد الغالية، ولا يمكن أن تتخلص البشرية من تخبطها إلا إذا هي سارت مع الأمة الوسط، واتبعت منهج الإسلام، وطبقت شريعة الله تبارك وتعالى.

وقد اعترف بعض عقلاء الغرب بضرورة الرجوع إلى الإسلام للخلاص من التخبط الهائل الذي تعيشه البشرية ... وهذا من أعظم وسائل حوار الدعوة، والتأكيد على دورنا في الحياة الراهنة.

وقد يكفي أن نذكر ما أورده الكاتب الكنسي الفرنسي ميشيل لولونغ في كتابه (الإسلام والغرب) حيث سرد عددًا من كبار الكتاب الذين انتقدوا جذور العقيدة النصرانية، وخاصة ما يتعلق بألوهية المسيح المزعومة، والذين أرادوا - حسب رأيه - تحرير المسيح من التفسيرات الخاطئة، ووضعه في مسار التاريخ - ثم قال: (( وفي نهاية القرن العشرين، فالذي يبدو لنا نحن الغربيين أننا نحتاج إلى الإسلام، لأننا فقدنا الأساس بالألوهية، وأن إغراءات الثقافة الحديثة قد حولت إيماننا بالرجل(المسيح) أكثر من إيماننا بالله )) [1] .

(( إن الصراع المرير في قلب المؤسسات الدينية اليهودية والنصرانية بين

(1) نقلًا عن (ربحت محمدًا ولم أخسر المسيح) ، د. عبد المعطي الدالاتي، مؤسسة الرسالة، دمشق، الطبعة الأولى، (1424هـ) ، وينظر: (الإسلام وحوار الحضارات) ، كامل الشريف، بحث مقدم إلى مؤتمر مكة في دورته الخامسة، 4 - 6/ 12/ 1425هـ. وميشيل لولونغ هو مسؤول سابق في الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية عن الحوار مع العالم الإسلامي، وله آراء جريئة ضد الغرب بعامة، وإسرائل بخاصة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت