نور الله ووحي السماء من جهة، وبين دين الغلو والتحريف البشري من جهة أخرى، يوشك أن يعصف بالدينين، ويقوضهما من الجذور، مما يفتح بابًا واسعًا أمام الإسلام باعتباره المهيمن والشاهد لكي يدعم الوحي الإلهي، ولن يتأتى ذلك إلا من خلال حوار علمي يديره رجال مؤمنون يلتزمون شريعة الله، ويلمون بالكتب السالفة والتيارات التي تدور حولها، والمواقف التي يجب أن يقفها المسلمون منها ... ولا بد أن يدخل المسلم هذه الساحة مسترخيًا، واثقًا من نفسه وعقيدته، فهو لا يحتاج إلى تنازلات أو تراجعات ... )) [1] .
إذًا الحوار بين الحضارات يعتبر نافذة مفتوحة للتعريف بالإسلام، وبيان محاسنه، والرد على الشبهات التي يثيرها أصحاب النفوس الضعيفة والأغراض الخفية، والذين يجهلون حقيقة الإسلام، وفيه كذلك تصحيح بعض المفاهيم المغلوطة، والتأكيد على أن الحوار مبدأ عظيم يحقق للناس الخير إذا صحت النية، وأنه ليس هناك صراع حقيقي بين الأديان السماوية الصحيحة، ولا الحضارات المتعددة عبر التاريخ، بل هناك تفاهم وتعاون وتبادل للخبرات، وأن دين الإسلام هو دين العدل والأمن ودين الدعوة والوئام والعيش الكريم، وهو دين يحفظ للإنسان ماله ودينه، ويحقن دمه وعرضه.
ولقد أرسى الإسلام الأصول التي تنادي بها المنظمات والجمعيات العالمية المنصفة في زمننا الحاضر، وهي جزء من ميدان الحوار الحضاري، ومن تلكم الأصول [2] :
-توحيد الله تعالى:
فمعظم الحضارات اليوم تؤمن بالرب الواحد الذي خلق الكون ويهيمن عليه، مع اختلاف في وصفها لهذا الخالق، لكن التصور الإسلامي يبقى التصور الوحيد الذي يكمل ما دعا إليه الرسل السابقون، إضافة إلى تساويه مع المنطق الرشيد، فالخالق العظيم الذي أعطى الكون خلقه وهداه هو الرب الواحد الأحد المستحق للعبادة دونما سواه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [فاطر: 3] .
وإذا تقرر هذا المبدأ العظيم قامت عليه الدعوة المعاصرة من خلال امتثال أمر الله تعالى:
{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] .
(1) كامل الشريف، البحث السابق، ص 9 بتصرف.
(2) وسيأتي الحديث عنها مفصلًا في الباب الثالث.